الإخوان في السودان.. الالتفاف على الحل المدني

تقرير: عين الحقيقة

في وقت تتكثف فيه التحركات الإقليمية والدولية بحثاً عن مخرج سياسي للحرب السودانية، تعود قضية مشاركة الإسلاميين وقيادات مرتبطة بالنظام السابق إلى صدارة الجدل، وسط اتهامات من قوى مدنية بأن شبكات مرتبطة بالحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني المنحل تسعى إلى إعادة تموضعها داخل المشهد السياسي، مستفيدة من نفوذ تراكم خلال عقود داخل مؤسسات الدولة وبعض الأجهزة الأمنية والعسكرية. ويثير هذا الملف خلافاً يتجاوز مسألة مشاركة تيار سياسي بعينه، ليمتد إلى سؤال أكثر تعقيداً: هل تقود أي تسوية مرتقبة إلى تأسيس مسار مدني جديد، أم تتحول إلى بوابة تعيد من خلالها قوى النظام السابق إنتاج نفوذها تحت مسميات وواجهات سياسية مختلفة؟

مقاطعة أديس أبابا

برز الخلاف بصورة واضحة مع انسحاب ومقاطعة عدد من القوى المدنية السودانية للمشاورات الاستكشافية التي عُقدت في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، بمشاركة أطراف دولية وإقليمية، بعدما أبدت تلك القوى اعتراضها على طبيعة المشاركين وطريقة تصميم العملية السياسية. وبحسب مواقف القوى المقاطعة، فإن الاعتراض لا يستهدف مبدأ الحوار أو البحث عن تسوية توقف الحرب، وإنما ما تعتبره محاولات لإدخال شخصيات وواجهات سياسية مرتبطة بحزب المؤتمر الوطني المنحل والحركة الإسلامية إلى منصات الحوار ومنحها شرعية سياسية جديدة. وترى هذه القوى أن مثل هذه المشاركة قد تؤدي، من وجهة نظرها، إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي بطريقة تمنح قوى النظام السابق فرصة للعودة إلى دائرة التأثير، بعدما أطاحت ثورة ديسمبر 2018 بنظام الرئيس السابق عمر البشير في أبريل 2019.

صمود و”تأسيس”.. اعتراض على التسوية

وفي مقدمة الجهات الرافضة لهذا المسار برزت مواقف منسوبة إلى تحالف صمود وتحالف السودان التأسيسي “تأسيس”، اللذين أبديا اعتراضات على إدخال قوى وشخصيات يعتبرانها امتداداً سياسياً للنظام السابق ضمن تصورات الحل. ويستند الرافضون إلى أن التسوية، إذا لم تميز بين الأطراف المدنية الداعية إلى التحول الديمقراطي وبين القوى المتهمة بالعمل على تقويض الانتقال الذي أعقب سقوط نظام البشير، فإنها قد تنتهي إلى إعادة إنتاج الأزمة بدلاً من حلها. كما يعتبرون أن مساواة جميع القوى السياسية تحت عنوان “الحوار الشامل”، من دون النظر إلى أدوارها خلال السنوات الماضية، قد تمنح شرعية جديدة لأطراف يحمّلها خصومها السياسيون مسؤولية كبيرة عن تعقيد الانتقال المدني وتصاعد الاستقطاب الذي سبق اندلاع الحرب في أبريل 2023.

شبكة نفوذ داخل الدولة

وتتمحور المخاوف المدنية بصورة أساسية حول ما تصفه بـ”الشبكة العميقة” التي بناها نظام الإنقاذ خلال ثلاثة عقود من الحكم. فخلال الفترة الممتدة من انقلاب يونيو 1989 وحتى سقوط نظام البشير عام 2019، شهدت مؤسسات الدولة توسعاً كبيراً في نفوذ كوادر مرتبطة بالحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني. وبعد الثورة، حاولت السلطة الانتقالية تفكيك جانب من تلك الشبكات عبر لجنة إزالة التمكين، لكن الصراع السياسي والانقلاب العسكري في 25 أكتوبر 2021 ثم اندلاع الحرب في أبريل 2023 أحدثت تحولات واسعة في مؤسسات الدولة، وفتحت مجدداً النقاش حول حجم النفوذ الذي لا تزال تمتلكه قوى النظام السابق. ويقول خصوم الإسلاميين إن الحرب وفرت بيئة سياسية وأمنية ساعدت بعض هذه الشبكات على استعادة النشاط والتأثير، بينما ينفي الإسلاميون عادة الاتهامات التي تحملهم بصورة جماعية مسؤولية الحرب، ويؤكد بعضهم حقهم في المشاركة في تحديد مستقبل البلاد.

الحرب تعيد خلط الأوراق

منذ اندلاع القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023، تغيرت الخريطة السياسية بصورة جذرية. فقد تراجعت مساحة العمل المدني، وتفككت مؤسسات عديدة، وانتقلت مراكز السلطة إلى مناطق مختلفة، بينما أصبحت الحرب نفسها العامل الأكثر تأثيراً في تحديد التحالفات السياسية. وفي هذا المناخ، عادت شخصيات محسوبة على النظام السابق إلى الظهور في المجال العام، بالتزامن مع خطاب سياسي يطالب بتوسيع قاعدة المشاركة في أي عملية سياسية مقبلة. لكن القوى المناهضة للإسلاميين تنظر بريبة إلى هذا الطرح، وترى أن شعار “عدم الإقصاء” يمكن استخدامه كمدخل لإعادة قوى المؤتمر الوطني إلى العملية السياسية من دون معالجة الأسئلة المتعلقة بمسؤولية النظام السابق عن الانتهاكات وتقويض التجربة الديمقراطية.

خبير سياسي: المعركة أصبحت حول “من يصمم اليوم التالي”

ويرى محللون سياسيون أن جوهر الصراع الحالي لم يعد متعلقاً فقط بمن ينتصر عسكرياً، وإنما بمن يملك القدرة على تصميم النظام السياسي الذي سيعقب الحرب. ويقول محلل سياسي سوداني لـعين الحقيقة إن:”القضية الأساسية ليست مجرد وجود إسلاميين في اجتماع سياسي، وإنما طبيعة مشاركتهم: هل تأتي ضمن عملية انتقال جديدة تستند إلى المساءلة والتحول الديمقراطي، أم باعتبارهم قوة تعود إلى السلطة مستفيدة من الحرب ومن نفوذها القديم داخل مؤسسات الدولة؟” ويضيف أن القوى المدنية تخشى من أن تتحول بعض منصات الحوار إلى وسيلة لـ”إعادة تدوير” شخصيات وكيانات سياسية تحت أسماء جديدة، الأمر الذي قد يعيد إنتاج الاستقطاب الذي لازم الفترة الانتقالية.

من جانبه، يرى باحث متخصص في شؤون الحركات الإسلامية أن الحركة الإسلامية السودانية تمتلك خبرة تنظيمية طويلة تجعل من الصعب قياس حضورها السياسي فقط عبر الأحزاب والكيانات التي تحمل أسماء معروفة. ويقول لـعين الحقيقة:“التنظيمات العقائدية التي تعمل لفترات طويلة داخل الدولة لا تعتمد بالضرورة على حزب واحد. يمكنها إعادة تشكيل حضورها عبر تحالفات وشخصيات ومنابر جديدة، ولذلك فإن النقاش الحقيقي يجب أن يتعلق بالبرامج والمصالح وشبكات النفوذ، وليس بالأسماء وحدها.” ويشير إلى أن أي عملية سياسية لا تضع معايير واضحة للمشاركة والمساءلة قد تواجه أزمة ثقة منذ بدايتها، خصوصاً لدى القوى التي تخشى عودة نظام ما قبل الثورة بصيغة مختلفة.

معايير واضحة للمشاركة

في المقابل، يحذر خبراء قانونيون من أن تتحول مواجهة نفوذ النظام السابق إلى إقصاء سياسي واسع يستند فقط إلى التصنيف الأيديولوجي. ويقول خبير قانوني سوداني إن الحل الأكثر استدامة يتمثل في وضع قواعد قانونية واضحة تحدد المسؤولية الفردية والمؤسسية عن الجرائم والانتهاكات وتقويض النظام الدستوري، بدلاً من الاعتماد على الانتماء السياسي وحده. ويضيف:“أي انتقال ديمقراطي يحتاج إلى عدالة ومحاسبة، لكنه يحتاج كذلك إلى قواعد قانونية. المطلوب هو منع الإفلات من العقاب ومنع استخدام مؤسسات الدولة لمصلحة تنظيم سياسي، مع ضمان ألا تتحول العدالة الانتقالية إلى أداة لتصفية الخصومات.”

مخاوف من “تسوية فوقية”

ويتخوف قطاع من القوى المدنية من أن يؤدي الضغط الدولي الرامي إلى وقف الحرب سريعاً إلى إنتاج تسوية تركز على جمع أكبر عدد ممكن من الأطراف حول الطاولة، من دون معالجة جذور الأزمة السودانية. فالحرب الحالية لم تنشأ في فراغ؛ إذ سبقتها سنوات من الصراع حول طبيعة الدولة والعلاقة بين المدنيين والعسكريين ومستقبل المؤسسات الأمنية وقضايا العدالة وتفكيك بنية النظام السابق. ولذلك يرى مراقبون أن أي اتفاق يتجاهل هذه الملفات قد ينجح مؤقتاً في تخفيف المواجهة العسكرية، لكنه لن يكون كافياً لبناء استقرار سياسي طويل الأجل.

بين الشمول وعدم الإفلات من المحاسبة

وتواجه الوساطات الدولية والإقليمية معادلة شديدة التعقيد: كيف يمكن بناء عملية سياسية واسعة بما يكفي للحصول على قبول سوداني، من دون منح المتهمين بارتكاب انتهاكات أو تقويض الانتقال الديمقراطي حصانة سياسية تحت شعار “الحوار الشامل”؟ ويرى خبراء أن حل هذه المعضلة يتطلب الفصل بين حق السودانيين في التعبير والتنظيم السياسي وبين إعادة تمكين شبكات حزبية داخل مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية. فالديمقراطية، وفق هذه القراءة، لا تعني إقصاء المواطنين بسبب أفكارهم السياسية، لكنها في الوقت ذاته لا تسمح بتحويل أجهزة الدولة إلى أدوات حزبية أو عسكرية لإعادة إنتاج السلطة.

معركة ما بعد الحرب

ومع استمرار الحرب، يبدو أن الصراع على مستقبل السودان بدأ بالفعل قبل توقف المدافع. فالقوى السياسية تتحرك لإعادة ترتيب مواقعها، بينما تحاول الأطراف الإقليمية والدولية بناء منصة يمكن أن تقود إلى تسوية، في وقت تتصاعد فيه المنافسة حول تعريف القوى التي يحق لها المشاركة في صناعة المرحلة المقبلة. وبالنسبة إلى القوى المدنية الرافضة لعودة الإسلاميين، فإن الخطر يكمن في أن تنتهي الحرب بتغيير الواجهات فقط، بينما تبقى شبكات النفوذ القديمة حاضرة داخل مؤسسات الدولة. أما الإسلاميون وحلفاؤهم، فيرفضون في المقابل محاولات استبعادهم بالكامل من المشهد السياسي، ويطرحون المشاركة الواسعة باعتبارها شرطاً للوصول إلى تسوية قابلة للاستمرار.

الخلاصة

المعركة الدائرة حول منصات الحوار ليست خلافاً إجرائياً بشأن قوائم المدعوين فحسب، بل صراعاً حول هوية الدولة السودانية بعد الحرب. فإذا كانت التسوية السياسية المقبلة تريد فتح طريق نحو حكم مدني ديمقراطي، فإن التحدي الأكبر سيكون بناء عملية لا تعيد إنتاج دولة الحزب الواحد وشبكات التمكين، وفي الوقت ذاته تستند إلى القانون والعدالة بدلاً من الإقصاء السياسي المفتوح. وبينما تتواصل محاولات وقف الحرب، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه على السودانيين والوسطاء معاً: هل تقود التسوية المقبلة إلى تفكيك أسباب الأزمة وبناء دولة مدنية، أم تتحول الحرب إلى الجسر الذي تعود عبره شبكات النظام السابق إلى السلطة بواجهات جديدة؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.