تتزايد المؤشرات حول اتساع نطاق الدعم المصري للقوات المسلحة السودانية منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، وسط جدل إقليمي ودولي بشأن طبيعة الدور الذي تلعبه القاهرة في الصراع، وما إذا كان انتقل من المساندة السياسية والدبلوماسية إلى مستوى أكثر انخراطاً في العمليات العسكرية.
وقال تقرير تحليلي نشره موقع “Modern Diplomacy” إن مصر انتقلت تدريجياً من مرحلة الدعم السياسي للجيش السوداني إلى تعزيز التعاون الأمني والعسكري، عبر تطوير آليات للتنسيق الاستخباراتي، وتوفير دعم لوجستي وبنية تحتية مرتبطة بعمليات الطائرات المسيّرة، إلى جانب تشديد التعاون الأمني على الحدود المشتركة.
وبحسب التقرير، فإن القاهرة تنظر إلى الجيش السوداني باعتباره شريكاً أساسياً في الحفاظ على توازنات الأمن الإقليمي، خصوصاً فيما يتعلق بالحدود الجنوبية، وأمن البحر الأحمر، وملف مياه النيل، الأمر الذي دفعها إلى دعم بقائه كقوة عسكرية رئيسية في السودان.
قاعدة شرق العوينات.. جدل حول الدور المصري
وأشار التقرير إلى التحقيق الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز بشأن قاعدة شرق العوينات في الصحراء الغربية المصرية، والذي تحدث عن تطوير القاعدة لاستقبال طائرات مسيرة قتالية، مع مزاعم باستخدام بعضها في عمليات داخل الأراضي السودانية ضد مواقع تابعة لقوات الدعم السريع.
غير أن هذه المعلومات، وفق التقرير، تستند إلى مصادر أمريكية وأوروبية، ولم يصدر تأكيد رسمي من الحكومة المصرية بشأن المشاركة المباشرة في العمليات العسكرية داخل السودان، حيث تواصل القاهرة التأكيد على موقفها المعلن الداعم لوحدة السودان وسيادته ورفض التدخل في شؤونه الداخلية.
ويرى مراقبون أن طبيعة العلاقة العسكرية التاريخية بين الجيشين المصري والسوداني، بما في ذلك التدريبات المشتركة وتبادل الخبرات والمعلومات الأمنية، جعلت الانتقال إلى مستويات أعلى من التنسيق أمراً متوقعاً عقب اندلاع الحرب.
خبراء: القاهرة تخشى فراغاً أمنياً على حدودها
ويرى خبراء في الشؤون الإقليمية أن التحرك المصري يرتبط بدرجة كبيرة بمخاوف القاهرة من انهيار مؤسسات الدولة السودانية أو ظهور قوى عسكرية متعددة النفوذ بالقرب من حدودها.
وقال محللون إن مصر تعتبر الجيش السوداني مؤسسة الدولة التقليدية الأكثر توافقاً مع رؤيتها للأمن الإقليمي، ولذلك فإن خسارته لمعركة النفوذ قد تفتح الباب أمام ترتيبات جديدة في السودان قد لا تتماشى مع المصالح المصرية.
وأضاف الخبراء أن القاهرة تنظر بقلق إلى احتمالات تفكك السودان، ليس فقط بسبب القرب الجغرافي، وإنما بسبب تداعيات ذلك على ملفات حساسة مثل الهجرة غير النظامية، وأمن البحر الأحمر، والتوازنات المرتبطة بسد النهضة الإثيوبي.
مخاطر الانخراط المباشر
في المقابل، يحذر خبراء من أن توسيع الدور المصري في الحرب السودانية قد يحمل مخاطر سياسية وعسكرية كبيرة، خصوصاً مع استمرار الصراع دون حسم واضح بين الجيش وقوات الدعم السريع.
ويقول هؤلاء إن أي انتقال من الدعم السياسي إلى المشاركة العسكرية المباشرة قد يجعل مصر طرفاً أكثر وضوحاً في النزاع، ويعرضها لضغوط إقليمية ودولية، كما قد يزيد من تعقيد جهود الوساطة الرامية إلى الوصول إلى وقف لإطلاق النار.
ويرى الباحثون أن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يضع القاهرة أمام معادلة صعبة؛ فبينما تسعى إلى منع انهيار الجيش السوداني، فإنها قد تجد نفسها مرتبطة بحليف يواجه حرب استنزاف مفتوحة، ما يفرض عليها مستقبلاً إعادة تقييم حجم وطبيعة تدخلها.
السودان.. ساحة تنافس إقليمي
ويؤكد مراقبون أن الحرب السودانية لم تعد مجرد صراع داخلي بين طرفين عسكريين، بل أصبحت ساحة تتقاطع فيها مصالح إقليمية ودولية متعددة، حيث تحاول كل قوة الحفاظ على نفوذها ومصالحها الاستراتيجية.
وبينما تصر القاهرة على أن هدفها هو دعم استقرار السودان والحفاظ على مؤسسات الدولة، يرى منتقدون أن أي دعم عسكري لطرف من أطراف الحرب قد يطيل أمد الصراع ويقلل فرص التوصل إلى تسوية سياسية شاملة.
ويبقى السؤال الأبرز: هل يستطيع الدعم المصري للجيش السوداني تحقيق هدف استعادة الاستقرار، أم أنه قد يدفع القاهرة إلى الانخراط أكثر في حرب طويلة ومعقدة يصعب الخروج منها؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.