تتجه أنظار السودانيين والمجتمع الدولي بقلق متزايد نحو إقليم كردفان، الذي تحول خلال الفترة الأخيرة إلى واحدة من أبرز جبهات القتال وأكثرها تأثيراً في الحرب الدائرة بالبلاد، وسط مؤشرات على أن نتائج المعارك هناك قد تلعب دوراً محورياً في تحديد موازين القوى ورسم خريطة السيطرة العسكرية والسياسية خلال المرحلة المقبلة.
وبعد أكثر من عامين على اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، انتقلت المواجهات تدريجياً إلى مناطق ذات أهمية استراتيجية، لتبرز كردفان باعتبارها حلقة وصل رئيسية بين مناطق نفوذ الطرفين، وبوابة عبور نحو إقليم دارفور الذي يمثل أحد أهم مراكز ثقل قوات الدعم السريع.
ويرى مراقبون أن المعركة في كردفان لا ترتبط فقط بالسيطرة على المدن والمناطق الجغرافية، بل تتجاوز ذلك إلى صراع على خطوط الإمداد وحركة القوات، وقدرة كل طرف على التأثير في مسار الحرب برمتها.
تحولات ميدانية تعيد تشكيل المشهد
شهدت ولايات كردفان، ولا سيما شمال كردفان، خلال الفترة الماضية تطورات ميدانية متسارعة، عقب عمليات عسكرية نفذتها القوات المسلحة السودانية بمساندة القوة المشتركة للحركات المسلحة والمقاومة الشعبية.
وبحسب مصادر عسكرية، تمكنت القوات المتحالفة مع الجيش من إحراز تقدم في عدد من المناطق ذات الأهمية العملياتية، من بينها بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة، إلى جانب تعزيز مواقعها على أجزاء من طريق الصادرات، الذي يمثل شرياناً حيوياً يربط العاصمة الخرطوم بالمناطق الغربية.
وتكتسب هذه التحركات أهمية خاصة بسبب موقع تلك المناطق على خارطة الإمداد العسكري والتجاري، إذ إن السيطرة عليها تمنح الطرف المسيطر قدرة أكبر على التحكم في حركة القوات والموارد بين وسط البلاد وغربها.
في المقابل، دفعت قوات الدعم السريع بتعزيزات عسكرية كبيرة إلى المنطقة، في محاولة للحفاظ على مواقعها ومنع توسع نفوذ الجيش باتجاه مناطق جديدة، خاصة مع إدراكها للأهمية الاستراتيجية لكردفان باعتبارها خط دفاع متقدماً عن مناطق انتشارها في دارفور.
كردفان.. مفتاح الجغرافيا العسكرية
تنبع أهمية كردفان من موقعها الجغرافي الذي يجعلها نقطة التقاء بين عدة أقاليم سودانية رئيسية؛ فهي تشكل حلقة وصل بين وسط السودان وشرقه من جهة، وإقليم دارفور من جهة أخرى، ما يمنحها قيمة عسكرية كبيرة في أي صراع طويل الأمد.
ويرى محللون أن السيطرة على الإقليم قد تمنح الجيش فرصة لتأمين خطوطه الخلفية وفتح الطريق أمام عمليات عسكرية محتملة غرباً، بينما تعتبر قوات الدعم السريع أن فقدان موطئ قدم قوي في كردفان قد يؤثر على قدرتها على المناورة والحفاظ على خطوط إمدادها.
كما أن طبيعة المنطقة الجغرافية، التي تجمع بين المساحات المفتوحة والطرق البرية الرئيسية، تجعلها ساحة مناسبة لاستخدام تكتيكات عسكرية متنوعة، تشمل التحركات البرية والهجمات بالطائرات المسيّرة التي أصبحت عاملاً مؤثراً في الحرب السودانية.
تغير أدوات القتال وتبدل موازين القوة
لم تعد المعارك في السودان تعتمد فقط على المواجهات التقليدية، إذ شهدت الحرب دخول تقنيات عسكرية جديدة، أبرزها استخدام الطائرات المسيّرة الهجومية والاستطلاعية، الأمر الذي غيّر طبيعة العمليات وأثر على حسابات طرفي الصراع.
ويعتقد خبراء عسكريون أن امتلاك القدرة على الاستطلاع وضرب الأهداف بدقة أصبح عاملاً مهماً في ترجيح كفة أي طرف، خصوصاً في مناطق واسعة ومفتوحة مثل كردفان.
كما أسهمت التحالفات الجديدة ودخول القوات المشتركة للحركات المسلحة إلى جانب الجيش في تغيير بعض معادلات المواجهة، في وقت تحاول فيه قوات الدعم السريع الحفاظ على قدرتها القتالية عبر إعادة الانتشار واستقدام مزيد من القوات.
مخاوف إنسانية تتصاعد
وبالتزامن مع التصعيد العسكري، تتزايد المخاوف بشأن الأوضاع الإنسانية في كردفان، حيث حذرت الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة من أن استمرار القتال قد يؤدي إلى تفاقم معاناة المدنيين، خاصة في المناطق التي تشهد مواجهات مباشرة أو حصاراً عسكرياً.
وتواجه أعداد كبيرة من السكان تحديات متزايدة تتعلق بنقص الغذاء والدواء، وتعطل الخدمات الأساسية، إضافة إلى خطر النزوح الجماعي بحثاً عن مناطق أكثر أمناً.
وتحذر المنظمات الإنسانية من أن اتساع رقعة المعارك في كردفان قد يضاعف الأزمة الإنسانية في السودان، في ظل محدودية التمويل وصعوبة وصول المساعدات إلى المناطق المتضررة.
معركة قد تحدد مستقبل الحرب
مع استمرار التصعيد العسكري وغياب أفق سياسي واضح، تبدو كردفان مرشحة لأن تكون إحدى أكثر ساحات الحرب تأثيراً في مستقبل السودان. غير أن الرهان على الحسم العسكري وحده يضع البلاد أمام مخاطر أكبر، في ظل استمرار معاناة المدنيين واتساع رقعة الدمار.
وبينما يسعى الجيش إلى تحقيق مكاسب ميدانية وتعزيز مواقعه، تواجه قيادته أسئلة متزايدة حول كلفة هذه العمليات على السكان، ومدى قدرتها على تقديم رؤية تتجاوز منطق الانتصار العسكري إلى حماية الدولة ومؤسساتها وإنهاء معاناة السودانيين.
فكردفان قد تكون ساحة لتغيير موازين القوة، لكنها في الوقت ذاته اختبار حقيقي لقدرة أطراف الحرب، وعلى رأسها الجيش، على تقديم حلول تحفظ حياة المدنيين وتمنع تحول المعركة إلى حلقة جديدة من الصراع المفتوح.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.