دخلت المشاورات التي تقودها الآلية الخماسية بشأن إطلاق عملية سياسية جديدة في السودان مرحلة أكثر تعقيداً، بعد أن كشفت اجتماعات أديس أبابا عن انقسام واضح بين القوى السياسية، بين أطراف اختارت المقاطعة وأخرى فضّلت المشاركة، وسط تساؤلات متزايدة حول قدرة المبادرة على استعادة الثقة وبناء توافق وطني يمهد الطريق لإنهاء الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات.
وأظهرت الاجتماعات التشاورية التي استضافتها العاصمة الإثيوبية تبايناً كبيراً في مواقف القوى السياسية، حيث شاركت الكتلة الديمقراطية بقيادة حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، إلى جانب وفد من حزب الأمة بقيادة مبارك الفاضل المهدي، فيما قاطعت قوى أخرى، أبرزها التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود” وقوى إعلان المبادئ، الاجتماعات احتجاجاً على ما اعتبرته خروجاً عن الأسس التي يفترض أن تحكم العملية السياسية.
وترى القوى المقاطعة أن الآلية الخماسية تجاوزت دورها كجهة ميسّرة للحوار، واتجهت إلى رسم ملامح العملية السياسية وتحديد أطرافها دون توافق مسبق، معتبرة أن توسيع دائرة المشاركة بهذه الطريقة قد يفتح الباب أمام قوى محسوبة على النظام السابق، ويمنح أطرافاً موالية للجيش نفوذاً داخل المسار السياسي، بما يهدد حياديته وفرص الوصول إلى سلام مستدام.
وفي السياق ذاته، أعلن المكتب السياسي لحزب الأمة القومي عدم مشاركته في أحد اجتماعات الخماسية، اعتراضاً على ما وصفه بتدخل الآلية في تحديد قائمة المشاركين، مؤكداً أن دورها يجب أن يقتصر على التيسير والمراقبة. وفي المقابل، برز تيار آخر داخل الحزب شارك في الاجتماعات بقيادة مبارك الفاضل المهدي، ما عكس استمرار التباينات داخل القوى السياسية نفسها.
وعلى الجانب الآخر، دافعت القوى المشاركة عن موقفها، معتبرة أن الحوار يمثل المسار الأكثر واقعية لإنهاء الحرب ومعالجة الأزمة السودانية. وأكد مني أركو مناوي، عقب لقائه بالآلية الخماسية، ضرورة أن تستند أي عملية سياسية إلى إرادة سودانية خالصة، مع إشراك مختلف القوى بعيداً عن الإقصاء أو فرض الحلول من الخارج.
كما طرح حزب الأمة بقيادة مبارك الفاضل رؤيته لحوار سوداني شامل يركز على وقف الحرب، وإطلاق عملية سياسية واسعة تعالج جذور الأزمة، وتؤسس لمرحلة انتقالية مستقرة، إلى جانب التأكيد على أهمية المصالحة الوطنية وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
ويعكس هذا الانقسام حجم التحديات التي تواجه أي مبادرة سياسية جديدة في السودان، في ظل تراجع الثقة بين الأطراف السودانية والوسطاء الإقليميين والدوليين، واستمرار تأثير الحرب على المشهدين السياسي والإنساني.
وبين خياري المقاطعة والمشاركة، يبقى مستقبل الآلية الخماسية مرتبطاً بقدرتها على تجاوز أزمة الثقة، وإقناع القوى السياسية بأن العملية المقبلة ستكون سودانية الملكية، شاملة لمختلف الأطراف، وقادرة على إنتاج تسوية تنهي الحرب، لا مجرد إعادة تدوير الخلافات داخل مسار سياسي جديد.
لكن وسط هذا الجدل، يظل السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تمضي الخماسية نحو صناعة سلام حقيقي، أم تكتفي بإعادة ترتيب خارطة القوى السياسية حول طاولة جديدة؟ فالمخاوف من تحول المبادرة إلى مجرد منصة لتقاسم النفوذ لا تزال قائمة، في ظل غياب توافق واسع حول قواعد اللعبة السياسية.
وبينما يدفع السودانيون ثمن الحرب يومياً، فإن أي عملية سياسية لا تضع وقف القتال ومعالجة جذور الأزمة في مقدمة أولوياتها ستظل أسيرة صراعات النخب، وبعيدة عن تطلعات شعب يبحث عن نهاية لمعاناته، لا عن جولة جديدة من المساومات السياسية.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.