مع استمرار الحرب في السودان وتعدد الفاعلين المسلحين، لم يعد الصراع يُختزل في مواجهة بين طرفين رئيسيين، بل أصبح مشهدًا معقدًا يضم القوات النظامية، وقوات الدعم السريع، وحركات مسلحة، وتشكيلات محلية وقبلية، وكتائب متحالفة مع أطراف النزاع. ويشير عدد من التقارير الدولية والباحثين إلى أن هذا التشظي أسهم في نشوء ما يُعرف بـ”اقتصاد الحرب”، حيث تتداخل الأنشطة العسكرية مع شبكات التمويل والتجارة غير الرسمية.
الذهب والموارد الطبيعية
تُعد مناطق إنتاج الذهب من أبرز مصادر التمويل التي تناولتها تقارير أممية ودراسات بحثية حول النزاع السوداني. ففي بعض المناطق الخارجة عن السيطرة الحكومية، تستفيد جماعات مسلحة من فرض رسوم على التعدين أو السيطرة على مواقع الإنتاج أو الاستفادة من سلاسل التوريد والتهريب، وهو ما يوفر موارد مالية بعيدًا عن النظام المصرفي الرسمي.
الإتاوات على الطرق والتجارة
تشير تقارير حقوقية وإنسانية إلى أن بعض طرق النقل الرئيسية أصبحت تشهد فرض رسوم غير قانونية على حركة البضائع والمسافرين، بما في ذلك شاحنات التجارة والمساعدات الإنسانية، ما يخلق مصادر دخل إضافية لبعض الجماعات المسلحة ويزيد من تكلفة النقل والإغاثة.
شبكات الإمداد عبر الحدود
يرى خبراء أن الطبيعة الجغرافية المفتوحة لحدود السودان مع عدد من الدول المجاورة تجعلها عرضة لعمليات تهريب الأسلحة والوقود والسلع، إضافة إلى انتقال الأموال عبر شبكات تجارية غير رسمية. كما تتحدث بعض الدراسات عن استخدام شركات أو واجهات تجارية في إدارة استثمارات أو تحويلات مالية، إلا أن حجم هذه الأنشطة يختلف بين الأطراف، ولا يمكن تعميمه دون أدلة موثقة.
الدعم الرسمي وغير الرسمي
بعض الحركات المسلحة المنخرطة في ترتيبات رسمية أو المتحالفة مع القوات المسلحة قد تحصل على دعم لوجستي أو تشغيلي في إطار العمليات المشتركة أو الاتفاقات السياسية، بينما تعتمد تشكيلات أخرى على التبرعات والمساهمات المجتمعية أو دعم رجال أعمال ومغتربين، وفقًا لما تعلنه تلك الجهات أو ما تردده تقارير إعلامية.
النفير والمساندة المحلية
في العديد من المناطق، تلعب الروابط القبلية والمجتمعية دورًا في دعم مجموعات الحماية المحلية، سواء عبر توفير الغذاء أو وسائل النقل أو جمع التبرعات، وهو نمط برز في مناطق متعددة خلال سنوات النزاع.
اقتصاد حرب يعيد إنتاج نفسه
يرى باحثون في شؤون النزاعات أن استمرار الحرب أدى إلى توسع اقتصاد موازٍ يعتمد على الموارد الطبيعية والتهريب والجبايات والأسواق غير الرسمية، ما خلق مصالح اقتصادية مرتبطة باستمرار الصراع. وفي مثل هذه البيئات، تصبح عمليات نزع السلاح وإعادة دمج المقاتلين أكثر تعقيدًا، لأنها لا تتعلق فقط بالترتيبات الأمنية، بل أيضًا بتفكيك شبكات التمويل والاقتصاد الموازي.
خلاصة
تشير الأدبيات المتخصصة في النزاعات إلى أن إنهاء الحرب في السودان لن يقتصر على وقف إطلاق النار، بل سيتطلب معالجة البنية الاقتصادية التي سمحت باستمرار القتال، بما في ذلك تعزيز الرقابة على الموارد الطبيعية، وتأمين الحدود، وإصلاح المؤسسات المالية، وإطلاق برامج فعالة لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، إلى جانب بناء مؤسسات مدنية قادرة على استعادة احتكار الدولة لاستخدام القوة وإدارة الموارد العامة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.