لم تكن العبارة مجرد دعاء. عندما وقف الدكتور كامل إدريس على المنصة بداية تنصيبه رئيساً لوزراء “حكومة الأمل” ورفع صوته قائلاً: “حسبنا الله ونعم الوكيل”، قرأها كثيرون حينها كخطاب مواساة. اليوم، وبعد مرور أشهر، يراها المواطنون إعلان استسلام رسمي في وجه أزمات تطحنهم يوماً بعد يوم.
عودة طوعية إلى جحيم الخدمات
بعد نحو عام ونصف من انسحاب قوات الدعم السريع من العاصمة الخرطوم، عاد آلاف السودانيين ضمن ما سمي “العودة الطوعية”. كانت الصورة الذهنية أن المدينة ستعود لسابق عهدها وخدماتها. لكن الواقع كان أقسى.
الكهرباء تقطع لأيام متواصلة. المياه شحيحة. الأسواق تشتعل. يقول أحد العائدين لـ “عين الحقيقة”: “كيلو اللحمة وصل 50 ألف جنيه، ورطل اللبن 3 آلاف. رجعنا نندم. حتى في أيام الدعم السريع كانت الكهرباء والموية موجودة، والآن لا شيء”.
مفارقة موجعة يرددها المواطنون: المناطق التي عاشت تحت إدارة عسكرية غير نظامية كانت توفر الحد الأدنى من الخدمات، بينما العاصمة تحت “حكومة الأمل” تعيش في ظلام وعطش.
حكومة الأمل.. أين الأمل؟
الاسم الذي اختاره الدكتور كامل إدريس لحكومته حمل وعوداً كبيرة. “حكومة أمل” في مواجهة الحرب والانهيار. لكن بعد التنصيب لم يلمس المواطن تغييراً ملموساً.
لا خطة واضحة لإعادة الكهرباء. لا ضبط للأسعار. لا أمن مستقر. ولا حتى خطاب حكومي يطمئن الناس. بدلاً من ذلك جاءت عبارة “حسبنا الله ونعم الوكيل” كأبرز ما صدر من رئيس الوزراء.
ويرى محللون أن استخدام كامل إدريس هذه العبارة يعكس حجم العجز. “حينما يلجأ رئيس الوزراء للدعاء كحل وحيد، فهذا يعني أن أدوات الدولة غائبة، وأن الحكومة لا تملك رؤية لمعالجة الأزمات المعيشية”،
انهيار القدرة الشرائية
الأزمة ليست في الخدمات فقط. انهيار الجنيه وارتفاع الأسعار جعل راتب الموظف لا يكفي لأسبوع. الأسر العائدة من دول الجوار فوجئت بأن تكلفة المعيشة في الخرطوم أعلى مما تركوه خلفهم.
إما منظمات الإغاثة غائبة أو تعمل بوتيرة بطيئة والنتيجة: مواطن يدفع الثمن من قوت يومه.
إلى أين؟
سؤال “حسبنا الله ونعم الوكيل” أعاد طرحه المواطن على الحكومة: هل هذا هو الأمل؟ هل انتهى دور الدولة عند التفويض الإلهي وترك الناس لمواجهة مصيرهم؟
الحكومات لا تبنى بالشعارات ولا بالأدعية فقط. تبنى بالقرارات، بالخطط، بالمحاسبة. وما لم تتحرك “حكومة الأمل” سريعاً لتقديم حلول في الكهرباء والمياه والأسعار والأمن، فإن الأمل سيتحول إلى يأس، والعودة الطوعية إلى هجرة جديدة.
عبارة كامل إدريس ربما كانت عفوية. لكنها وثقت لحظة فارقة: اللحظة التي قال فيها رئيس وزراء دولة بحجم السودان، ضمناً، “لا أملك ما أقدمه لكم الآن”.
وفي السياسة، هذه الجملة وحدها كافية لإسقاط أي حكومة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.