ذاكرة الظل… حين غابت السلطة الرابعة.. من يراقب الحقيقة؟

بقلم: المهندس حسين هاشم تيمان

لم تُسمَّ الصحافة يوماً بـ«السلطة الرابعة» لأنها تملك جيشاً أو جهازاً تنفيذياً أو حق إصدار القوانين، وإنما لأنها تملك ما لا يقل أهمية عن ذلك كله: حق السؤال، والبحث عن الحقيقة، وكشف ما يُراد له أن يبقى في الظل.

 

كانت قيمة الصحافة الحقيقية تكمن في استقلالها؛ تفتح الصحيفة فتجد في صفحة رأياً يوافق موقفك السياسي، ثم تقلب الصفحة فتجد رأياً يناقضه تماماً. تقرأ نقداً للحكومة، وفي المساحة ذاتها تجد نقداً لمعارضيها. فالصحافة المستقلة لا تسأل الحقيقة عن انتمائها قبل أن تنشرها، ولا تقيس معاناة الناس بهوية الضحية أو الجاني.

 

وهنا تحديداً كانت تكمن هيبة السلطة الرابعة.

 

أما اليوم، وخصوصاً في المشهد السوداني، فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح بجدية هو: أين ذهبت السلطة الرابعة؟

 

لقد أصاب الاستقطاب السياسي والحرب جزءاً كبيراً من المشهد الإعلامي، حتى أصبح من الصعب، وفي أحيان كثيرة، الفصل بين المنصة الإعلامية والمنبر السياسي. هنالك منصات مرئية ومسموعة وإلكترونية وصحفية بات خطاب بعضها أقرب إلى الدفاع عن موقف سياسي محدد منه إلى البحث الحر عن الوقائع، كما أصبح عدد من الصحفيين والإعلاميين أنفسهم جزءاً من حالة الاصطفاف؛ مع الجيش أو الدعم السريع أو هذه الكتلة السياسية أو تلك.

 

وليس الإشكال في أن يكون للصحفي رأي سياسي؛ فهو مواطن، ومن حقه أن يكون له موقف. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول ذلك الموقف إلى مرشحٍ للحقيقة: تُنشر الانتهاكات عندما يرتكبها الخصم، ويُبحث لها عن الأعذار أو تُهمَّش عندما تأتي من الطرف الذي نؤيده. يُفتح ملف الفساد إذا كان المتهم من المعسكر الآخر، ويُغلق أو يُتغاضى عنه إذا اقترب من معسكرنا. تُضخَّم معاناة منطقة، بينما تمر معاناة منطقة أخرى في صمت، وكأن قيمة الإنسان أصبحت تُحدَّد وفق الجغرافيا أو القبيلة أو الاصطفاف السياسي.

 

عندها لا يعود الإعلام سلطة رابعة، وإنما يتحول إلى طرف آخر في الصراع.

 

والأخطر من الانحياز أن تنتقل بعض المنصات من انتقاء الحقائق إلى صناعة روايات تُقدَّم في ثوب الحقيقة؛ عبر أخبار غير موثقة، أو اجتزاء التصريحات من سياقها، أو العناوين المضللة، أو إطلاق الاتهامات في الفضاء العام بلا أدلة، فقط للنيل من شخص أو مؤسسة أو جماعة.

 

وفي زمن مواقع التواصل الاجتماعي تصبح خطورة ذلك مضاعفة؛ فالكذبة لم تعد تحتاج إلى مطبعة ومئات النسخ حتى تنتشر. يكفي هاتف محمول وحساب واسع الانتشار، وخلال دقائق قد تتحول المعلومة غير الصحيحة إلى «حقيقة» يتداولها الآلاف، بينما يحتاج تصحيحها إلى أيام، وربما لا يصل التصحيح أصلاً إلى نصف الذين وصلتهم المعلومة الكاذبة.

 

وفي خضم هذا التحول، تغيّرت أيضاً مصادر تلقي الناس للأخبار. فاليوم لم يعد المواطن ينتظر صحيفة أو نشرة إخبارية لمعرفة ما يجري؛ بل أصبح كثيرون يستقون أخبارهم من صفحات شخصيات عامة، أو حسابات فردية وصفحات عادية على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى بات بعضها يؤدي، في نظر متابعيه، دوراً كان من المفترض أن تضطلع به المؤسسات الإعلامية والصحفية.

 

وهنا لا بد من التمييز بين حرية المواطن في نقل ما يراه والتعبير عنه، وبين مسؤولية المؤسسة الإعلامية والصحفي المحترف. فالمقارنة بينهما ليست متكافئة؛ لأن الصحفي والمؤسسة الإعلامية لا يُفترض أن ينقلا المعلومة لمجرد تداولها، بل أن يبحثا عنها ويتحققا من مصادرها وسياقها، وأن يتحملا المسؤولية المهنية والأخلاقية والقانونية المترتبة على نشرها. أما الصفحة الشخصية فقد تنقل خبراً صحيحاً، وقد تسبق أحياناً المؤسسات الإعلامية في الوصول إليه، لكنها لا تخضع بالضرورة للمعايير المهنية والتحريرية ذاتها.

 

ولعل لجوء الجمهور المتزايد إلى هذه الصفحات ليس مجرد نتيجة للتطور التقني، بل يحمل في جانب منه رسالة إلى الإعلام نفسه: عندما يفقد الناس ثقتهم في قدرة المنصات المهنية على نقل الحقيقة كاملة، يبحثون عنها في مكان آخر. وهنا تصبح استعادة الثقة جزءاً أساسياً من استعادة مكانة السلطة الرابعة.

 

ومع ذلك، سيكون من الظلم تحميل الصحفيين وحدهم مسؤولية هذا الواقع.

 

فحرية الصحافة في بلادنا تعرضت، عبر مراحل مختلفة، للتضييق والمصادرة والاعتقال والترهيب، كما سعت أنظمة سياسية متعاقبة إلى صناعة إعلام على مقاسها، واستخدمت المال والنفوذ والإعلانات والامتيازات لاستمالة بعض الأقلام والمنصات، حتى يصبح الإعلام مرآة تعكس للحاكم الصورة التي يريدها، لا الصورة الموجودة على أرض الواقع.

 

وفي مقابل هذا المشهد، لا بد من إنصاف أولئك الصحفيين والإعلاميين الذين اختاروا الصمت أو الابتعاد عن بعض المنصات، وامتنعوا عن البوح حين وجدوا أن الكلمة التي يؤمنون بها لا تستطيع المرور إلا بعد أن ترتدي لوناً سياسياً أو تنحاز إلى معسكر بعينه. بعضهم ابتعد احتراماً لمهنته، ورفض أن يتحول قلمه أو صوته إلى أداة في معركة الاستقطاب. لهؤلاء التحية؛ لأن الصمت في بعض المواقف قد يكون أكثر مهنية من قول ما لا يؤمن به صاحبه، ونتمنى عودتهم إلى المشهد الإعلامي، فالإعلام الحر أحوج ما يكون اليوم إلى أصوات تحترم الحقيقة قبل أن ترضي الجمهور أو السلطة.

 

لكن هذه الظروف، على قسوتها، لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر دائم للتخلي عن استقلال المهنة.

 

فاليوم أتاحت الثورة التقنية للصحفي والإعلامي إمكانات لم تكن متوفرة قبل سنوات. أصبح بالإمكان إدارة منصة إعلامية من خارج البلاد، والوصول إلى مصادر متعددة، ومقارنة الروايات، وحفظ الوثائق والصور، والتحقق من قدر كبير من المحتوى المتداول. صحيح أن الحرب تخلق ظروفاً بالغة الصعوبة، وأن الوصول إلى المعلومة قد يكون خطراً ومعقداً، لكن المسافة الفاصلة بين الصحافة والدعاية يجب أن تبقى واضحة مهما كانت الظروف.

 

والإعلام المستقل لا يعني إعلاماً محايداً تجاه الجريمة والفساد والانتهاكات.

 

وهذه نقطة بالغة الأهمية.

 

فالحياد المهني لا يعني الوقوف في منتصف المسافة بين الحقيقة والكذب، ولا مساواة الضحية بمن انتهك حقوقها. الاستقلال الحقيقي يعني تطبيق المعيار نفسه على الجميع: أن تطالب بالدليل من الصديق والخصم، وأن تدين الانتهاك بصرف النظر عن مرتكبه، وأن تحقق في الفساد دون أن تسأل أولاً عن هوية الفاسد السياسية، وأن تمنح الإنسان حقه في أن تُسمع معاناته مهما كانت منطقته أو قبيلته أو موقفه.

 

إن الصحافة التي تنتقد الجيش يجب أن تكون قادرة أيضاً على التحقيق في انتهاكات الدعم السريع، والصحافة التي تكشف انتهاكات الدعم السريع يجب ألا ترى في ذلك حصانة للحكومة أو مؤسسات الدولة من النقد والمساءلة. ومن ينتقد القوى المدنية ينبغي أن يفسح لها المجال لعرض موقفها، ومن ينتقد السلطة يجب ألا يتحول تلقائياً إلى بوق لمعارضيها.

 

هذه ليست مساواة بين المواقف أو الأفعال، وإنما مساواة في معايير البحث والتدقيق والمساءلة.

 

نحن بحاجة إلى إعلام لا يخبرنا فقط بما نحب أن نسمعه.

 

فالمنصة التي تقول لجمهورها كل يوم إن جماعتهم دائماً على حق، وإن خصومهم دائماً على باطل، قد تكسب التصفيق، لكنها لا تبني وعياً. والإعلام الذي يخشى خسارة جمهوره إذا نشر حقيقة لا تعجبه، يصبح أسيراً لجمهوره كما كان إعلام الأمس أسيراً للسلطة.

 

وهنا تكمن إحدى أزمات الإعلام الحديث؛ فالضغط لم يعد يأتي من الحكومات وحدها، بل من الأحزاب والجماعات المسلحة ورأس المال والمعلنين، بل ومن جمهور مواقع التواصل نفسه، الذي قد يكافئ الخطاب الأكثر حدة واستقطاباً أكثر مما يكافئ التحقيق الهادئ والدقيق.

 

والنتيجة أن الحقيقة نفسها تصبح ضحية للاستقطاب.

 

السودان، وخصوصاً في زمن الحرب، يحتاج إلى السلطة الرابعة أكثر من أي وقت مضى. يحتاج إلى صحافة تحقق في أين تذهب الأموال، وكيف تُدار المساعدات الإنسانية، ومن المسؤول عن تعطل الخدمات، ومن يستفيد من اقتصاد الحرب، وماذا يحدث في المستشفيات والمدارس والأسواق ومخيمات النزوح، ومن يرتكب الانتهاكات، ومن يقصر في واجباته تجاه المواطن.

 

نحتاج إلى إعلام يضع المواطن في مركز القصة، لا السياسي ولا العسكري ولا الحزب.

 

فالصحافة ليست مطالبة بأن تكون مع الجيش أو الدعم السريع أو الحكومة أو المعارضة حتى تكون مؤثرة؛ بل مطالبة، قبل كل شيء، بأن تكون مع الحقيقة والمصلحة العامة وحق الناس في المعرفة.

 

ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن تختلف وسائل إعلامه؛ فالاختلاف صحي وضروري، وإنما أن يفقد المواطن ثقته فيها جميعاً. فعندما يقرأ الخبر ويسأل فوراً: «هذه المنصة تتبع لمن؟» قبل أن يسأل: «هل الخبر صحيح؟»، فهذه علامة على أزمة عميقة في العلاقة بين الإعلام والجمهور.

 

لذلك فإن استعادة السلطة الرابعة لا تحتاج فقط إلى رفع القيود عن الصحافة، بل تحتاج أيضاً إلى ميثاق مهني وأخلاقي جديد يعيد الاعتبار للتحقق، ويفصل الخبر عن الرأي، ويضمن حق التصحيح والرد، ويجعل تمويل المؤسسات الإعلامية أكثر شفافية، ويعيد للصحفي شجاعته في مساءلة الجميع دون انتقائية.

 

فالبلاد التي تريد إعادة بناء مؤسساتها بعد الحرب لن تحتاج إلى الطرق والجسور والمستشفيات والمدارس وحدها؛ بل ستحتاج أيضاً إلى إعادة بناء الثقة.

 

ولا تُبنى الثقة في الظلام.

 

نريد عودة السلطة الرابعة، لا لتكون خصماً للدولة، بل عيناً مفتوحة على أدائها؛ ولا لتكون عدواً للسياسي، بل لتسائله؛ ولا لتكون محكمة تصدر الأحكام، بل منصة تبحث وتحقق وتكشف، وتمنح الناس حق المعرفة.

 

فالسلطة التي لا تجد من يراقبها قد تنحرف، والمعارضة التي لا تجد من يسائلها قد تُضلل، والسلاح الذي لا تلاحقه الكاميرا قد يتجاوز، والمال العام الذي لا تتبعه الصحافة قد يُهدر.

 

وحين تصمت السلطة الرابعة، لا تختفي الحقيقة بالضرورة… لكنها تبقى وحيدة في الظل.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.