لا حرب باسم الدين.. الإسلام السياسي يختبئ خلف الشعارات والسودان يدفع الثمن..!!
فاطمة علي سعيد
الحرب في السودان ليست رواية جاهزة يمكن لكل مجموعة أن تفصّلها على مقاسها، ولا معركة تُفهم من زاوية طرف واحد. كل سوداني ينظر إليها من مواقعه السياسي والاجتماعي والجغرافي، فيرى كل طرف جزءاً من الصورة ويعتقد أنه امتلك الحقيقة كاملة.
لذا اختزال الحرب في صراع بين شخصين أو مؤسستين عسكريتين فقط، أو تحويلها إلى معركة دينية بين “الإيمان والكفر”، هو هروب متعمد من جذور الأزمة السودانية. فهذه الحرب انفجرت فوق تراكمات عقود من الاستبداد، واختلال علاقة المركز بالأقاليم، وتسييس الدولة، وتفكك المؤسسة العسكرية، والتهميش، والتمييز، والاقتصاد السياسي للحرب، وتوظيف القبيلة والهوية في الصراع على السلطة والثروة. وتؤكد دراسات حديثة أن الحرب الحالية امتداد لتوترات بنيوية أقدم من أحداث أبريل 2023، وبعد صراع شديد التعقيد تتداخل فيه الانقسامات السياسية والأمنية والاجتماعية والإقليمية.
لذلك فإن أخطر ما يمكن فعله الآن هو تسييس الدين وتحويل العقيدة إلى وقود للحرب. الدين ملك للمجتمع وضمير للإنسان، وليس رايةً تحتكرها جماعة سياسية لتمنح نفسها صك الوطنية وتُلصق بخصومها تهم الخيانة والكفر والعمالة. وقد وثقت تقارير حديثة كيف استُخدمت الخطابات الدينية والتحريضية في تعبئة المقاتلين وتعميق الاستقطاب، بينما تحاول أطراف الحرب استثمار الانقسامات الاجتماعية والسياسية لصالحها.
السودان ازمته ليس حرب تُدار باسم الدين، ولا إلى سلطة تتخذ من الدين غطاءً سياسياً، ولا إلى معسكر يدّعي امتلاك الحقيقة وحده. السودان يحتاج إلى مواجهة الحقيقة كاملة: أزمة دولة، وأزمة سلطة، وأزمة جيش، وأزمة هوية، وأزمة عدالة ومواطنة، وأزمة توزيع للثروة والسلطة.
ومن يريد إيقاف الحرب فعلاً، عليه أن يذهب إلى جذورها لا أن يكتفي بإدانة نتائجها، وأن يفصل الدين عن لعبة السلطة، ويعيد بناء الدولة على أساس المواطنة المتساوية، والجيش القومي الواحد، والعدالة، والديمقراطية، واحترام التنوع السوداني.
فالحرب التي بدأت كصراع على السلطة أصبحت مرآة لكل أزمات السودان القديمة؛ ومن يحاول تغطية هذه المرآة بشعارات دينية أو سياسية لن يلغي الحقيقة، بل سيؤجل انفجارها من جديد.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.