الخطاب الأخير للفريق البرهان في عيد الجيش في 15 أغسطس/آب 2026 جاء مليئاً بالتناقضات والتضارب في مجالي السياسة والقانون.
أولاً: المسائل القانونية
برزت محاولة الفريق البرهان لتوظيف وتجيير معطيات قانونية تتعلق بالعفو والحصانة، لصالح استدامة مشروعه القائم على تقويض سيادة القانون، تكريس الحكم العسكري الشمولي، تكريس الإفلات من العقاب، والحصول على شرعية مفقودة.
بينما تحظر القوانين الدولية منح العفو عن الجرائم الدولية الخطيرة، تبقى الحصانة المؤقتة التي دعا إليها الفريق البرهان ‘نكتة سخيفة’ من حيث الإخراج والتأطير.
في شأن الحصانة
لا توجد حصانة لمن ارتكب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي. لا يعني شيئاً كونها مؤقتة أو دائمة. كما لا يقر القانون الدولي بحصانة الرؤساء وشاغلي الوظائف العليا في الدولة لمرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي.
في التحليل النهائي، لا تعني “الحصانة المؤقتة” أكثر من فرقعة، أراد البرهان إحاطة دعوته بها ليستعملها ضد القوى المدنية التي سترفض حتماً مثل هذه الفرقعات، ليدعي أنه فتح ذراعيه للحوار، ولكنه قُوبل بالرفض. هندسة قانونية، غبية هذه المرة، معروفٌ من يقف وراءها.
في سياق العدالة الانتقالية، وفي مرحلة إيقاف الحرب، يمكن مناقشة توفر ضمانات السلامة الجسدية والذهنية لأطراف النزاع، حتى يتمكنوا من التوصل إلى اتفاق لوقف العدائيات والحرب (لقاءات جدة/المنامة). الحديث هنا عن ضمانات، وليس حصانات.
في شأن العفو
كمبدأ، تحظر القوانين الدولية منح العفو عن الجرائم الدولية الخطيرة، والتي تشمل: القرصنة؛ الاسترقاق؛ جرائم الحرب؛ الجرائم ضد الإنسانية؛ الإبادة الجماعية؛ التعذيب، وفقاً لمبادئ برينستون لعام 2001.
هناك العفو المرتبط بالقوانين السودانية.
المادة 211 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م وتعديلاته اللاحقة، منحت رئيس الجمهورية حق العفو العام بشروط أو بدون شروط، عدا جرائم القصاص والحدود، وبعد استشارة وزير العدل.
وقف الإجراءات الجنائية ضد أي متهم، هي سلطة تقديرية، بعد اكتمال التحري وقبل صدور الحكم الابتدائي، يمارسها وزير العدل (النائب العام سابقا) بموجب المادة 58 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991 وتعديلاته اللاحقة. ويجب أنْ يكون قرار وقف الإجراءات مُسبباً. خاض القضاء السوداني معركة قانونية بشأن خضوع ذلك القرار للمراجعة القضائية للتأكد من تسبيبه وعدم استخدامه بصورة جزافية. لا يشمل القرار جرائم الحدود والقصاص، والجرائم التي يجوز فيها التنازل الخاص عن الدعوى الجنائية. لذلك، وكاستشارة مجانية للفريق المزهو بمطاردة القوى المدنية الوطنية الساعية نحو التحول المدني، يمكن للفريق البرهان أنْ يأمر وزير عدله بوقف الإجراءات الجنائية التي فتحها البرهان، أو بأمر منه، ضد القوى المدنية، لأنها قضايا خاصة به هو.
هناك غياب لمشروعية العفو نفسه، فهو لم يصدر من رئيس أو برلمان منتخب، أو يتوافق عليه في إطار تسوية سياسية تقود إلى تحول مدني ديمقراطي. فمن يصدره ليس له شرعية دستورية. كما أنَّ ‘العفو المزاجي’، تماماً مثل البلاغات الجنائية المزاجية والكيدية، لا يخدم قضايا الوطن. لكنه مؤشر لطبيعة القضايا الجنائية التي تواجهها القوى المدنية، فهي بلاغات مدفوعة بشخصية البرهان نفسه، أي شخصنة المسائل الوطنية: فكل البلاغات التي فتحتها سلطات بورتسودان مدفوعة وبأوامر من البرهان نفسه، الذي دأب على ذلك منذ انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021.
في كل الأحوال، يبقى المعيار هو: عدم التضحية بالعدالة من أجل السلام سواء كان من خلال العفو العام أو توظيف أي حصانات (إجرائية أو موضوعية). صار مُسلماً به أنَّ السلام والعدالة يكملان بعضهما البعض. وهذا ما لا يريده الفريق البرهان.
ثانياً: دعوة البرهان إلى حوار يُحرك خيوطه هو
أمَّا الدعوة للحوار السياسي فهي تمثل أسوأ نداء للحوار للسياسي في التاريخ. إنها تخاطب القوى السياسية التي تناهض حرب 15 أبريل/نيسان 2023 وتناهض أيضاً الأسباب التي أدت إلى تلك الحرب، ومن بينها انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021، وتقول لها: (تعالوا لنتوصل إلى اتفاق سياسي بهدف توطيد مكانتي وموضع القوى السياسية والعسكرية التي ساندتني، وعندما نُنهِ ذلك التأطير، سنلاحقكم قضائياً). هل هناك سوء إخراج أكثر من ذلك؟
كما أنه يضع شروطاً وإجراءات التسيير، ويحدد إطار الحوار والمشاركين فيه، ثم يزعم أن هناك لجنة مستقلة ستقوم بالأمر. مصيدة وفخ، ظل الفريق البرهان يعمل في إطارها منذ توليه مقاليد مجلس السيادة الانتقالي في أغسطس/آب 2019.
وهذا أمرٌ متروكٌ للقوى السياسية للتعامل معه. ولكنني أُحذر من مغبة الخوض في حوار لا تملك القوى السياسية مفاتيحه. كل تجارب الحوارات بين القوى المدنية والأنظمة العسكرية في السودان، أفضت إلى مزيد من تمكين الأنظمة العسكرية في الخرطوم، وفقدان القوى السياسية التي شاركت فيها للتأثير، وفقدت بالتالي بوصلة التحول المدني الديمقراطي.
تواجه دعوة الفريق البرهان للحوار عدة تحديات:
تحدي المشروعية
تأتي دعوة الفريق البرهان وسط فراغ دستوري عريض في السودان. فالفريق البرهان شارك في تمزيَق الوثيقة الدستورية لسنة 2019 تعديل لسنة 2020، وظل السودان منذ انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021 يُحكم بدون دستور، بل بموجب الأوامر والمنشورات التي يصدرها الفريق البرهان نفسه.
تحدي معيار المصداقية
تناقضات الفريق البرهان تجعل من دعوته للحوار فاقدة للمصداقية. فهو صاحب رقم قياسي في تقويض العمل السياسي والتحول المدني، بالإضافة إلى سمة الوعود التي لا يفي بها. بدءاً بمجرزة فض اعتصام القيادة العامة في 3 يونيو/حزيران 2019، مروراً بانقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021، وليس انتهاءً بحرب 15 أبريل/نيسان 2023، التي لا يريد لها أنْ تتوقف. ويتضح تناقضه في دعوته لحوار سياسي، في الوقت الذي يمضي فيه إلى تشكيل (المجلس التشريعي)، زاعماً أنه “استحقاق دستوري”، وهو الذي مزَّق الوثيقة الدستورية لسنة 2019 تعديل لسنة 2020.
تحدي تجريم البرهان للآخرين، وهو الاستثناء الوحيد
دأب الفريق البرهان على تجريم القوى المدنية تحديداً، نظراً لتوجهاتها المناهضة لحكمه الديكتاتوري الشمولي، ولحرب 15 أبريل/نيسان. ولكنه يتغافل عن مزاعم مشاركته بصفته الرسمية في المجازر التي صاحبت فض اعتصام القيادة العامة، وتلك التي صاحبت انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021 على سبيل المثال. في إطار تجريم الآخرين، يمنح البرهان نفسه صك براءة، بل ويتمادى في تحديد شروط عفو للقوى المدنية ومنح حصانة مؤقتة لها، للمشاركة في حوار يتولى زمام أمره، البريء الوحيد.
تحدي شبح سيناريو حوارات سودانية سابقة مع أنظمة عسكرية
إذا لم تستـفد القوى السياسية من دروس الماضي في حواراتها السابقة مع الأنظمة العسكرية الاستبدادية، سوف يثير ذلك الكثير من التساؤلات حول قدراتها وأهليتها. أيُّ حوار سياسي مع نظام عسكري استبدادي، لا تملك القوى السياسية مفاتيحه، يعني الإبقاء على المنظومة الحاكمة. في حالة البرهان، يعني الإبقاء على المنظومة الحاكمة الحالية التي يستند إليها، والتي تدعم مواقفه المعادية للتحول المدني الديمقراطي، ولقضايا السلام، وللقوى المدنية بدون استثناء. الشواهد كثيرة في حوارات الأنظمة العسكرية مع مختلف القوى السودانية، مدنية وعسكرية. هناك المصالحة الوطنية للجبهة الوطنية في 1977 مع نظام الجنرال جعفر نميري. وهناك اتفاقيات النظام العسكري للجنرال عمر البشير مع مختلف القوى السودانية: اتفاقية السلام الشامل مع الحركة الشعبية لتحرير السودان(CPA) في 2005، اتفاقية سلام شرق السودان في 2006، واتفاقية سلام دارفور (DPA) في 2006 مع فصيل من حركة جيش تحرير السودان، واتفاقية القاهرة مع التجمع الوطني الديمقراطي في 2005.، واتفاقية الدوحة للسلام في دارفور في 2011، وحوار الوثبة في 2014-2016. (يوضح الجدول المرفق ماذا تعني الدعوة لحوار تقوده السلطة العسكرية الحاكمة. تمت الإشارة بشكل موسع إلى “أنماط الانتقال” وتداعياتها في كتاب “العدالة الانتقالية: تجربة السودان. الطريق الطويل الشاق”، قيد الطبع).
لم تثمر أي من تلك الاتفاقيات في تحقيق مصالحة وطنية أو السلام، أو في تحقيق تحول مدني ديمقراطي يعمل على تفكيك الحكم العسكري الذي كان قائماً ومعالجة آثاره الكارثية في كافة المجالات. فما الذي يجعل أي حوار مع جنرال من شاكلة الفريق عبد الفتاح البرهان، وبشروطه، مختلفاً؟
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.