إذا صحت الأنباء المتداولة عن صدور حكم من محكمة جنايات الأبيض بولاية شمال كردفان بسجن طبيب صيدلي لمدة ست سنوات، استناداً إلى محادثات في هاتفه تضمنت رأياً يدعو إلى وقف الحرب، فإن القضية تتجاوز شخصاً بعينه، لتطرح سؤالاً بالغ الخطورة: هل أصبحت المطالبة بالسلام جريمة يُعاقب عليها بالسجن؟
في زمن الحروب، تختلف المواقف السياسية، وتتباين الرؤى حول أسباب الصراع وسبل إنهائه، لكن ما لا ينبغي أن يكون محل خلاف هو حق الإنسان في التعبير السلمي عن رأيه، ما دام لا يتضمن تحريضاً على العنف أو ارتكاب جرائم. فالدعوة إلى وقف الحرب، في جوهرها، ليست إعلاناً للحرب على الدولة، بل تعبير عن رغبة في إنهاء نزيف الدم.
لقد دفعت الحرب السودانية ثمناً باهظاً من أرواح المدنيين، وشردت الملايين، ودمرت مدناً بأكملها، وأرهقت الاقتصاد والخدمات العامة. وفي ظل هذا الواقع، يصبح الحديث عن السلام بالنسبة لكثير من السودانيين مطلباً إنسانياً قبل أن يكون موقفاً سياسياً.
إن المجتمعات لا تُقاس بقوة أجهزتها الأمنية، وإنما بقدرتها على استيعاب الرأي المختلف. أما حين يصبح الهاتف الشخصي ساحة للتفتيش عن الآراء، ويصبح التعبير عن موقف من الحرب سبباً للملاحقة أو العقوبة، فإن الخوف لا يطال فرداً واحداً، بل يمتد إلى المجتمع بأسره، الذي يبدأ أفراده في ممارسة الرقابة على أنفسهم خشية العواقب.
وإذا كانت هناك اتهامات جنائية، فمن حق أي متهم أن يحظى بمحاكمة عادلة تتوافر فيها جميع ضمانات الدفاع والإجراءات القانونية الواجبة. لكن في المقابل، فإن تجريم الآراء السلمية، إن كان ذلك هو أساس الإدانة، يثير نقاشاً مشروعاً حول حدود حرية التعبير، وحول التوازن بين متطلبات الأمن واحترام الحقوق الأساسية.
إن الطبيب، والمعلم، والمهندس، والطالب، ليسوا أعداء لأنهم يتمنون نهاية الحرب. فالمطالبة بوقف القتال لا ينبغي أن تُقرأ تلقائياً باعتبارها انحيازاً لطرف ضد آخر، بل قد تكون تعبيراً عن إرهاق شعب أنهكته سنوات من النزاع.
السودان اليوم لا يحتاج إلى توسيع دائرة الخوف، بل إلى توسيع مساحة الثقة. ولا يحتاج إلى إسكات الأصوات التي تنادي بالسلام، بل إلى فتح المجال لحوار وطني حقيقي يضع حياة المدنيين فوق الحسابات العسكرية والسياسية.
إن الأوطان التي تُجرِّم الأمل في السلام تخاطر بأن تجعل الصمت بديلاً عن الحوار، والخوف بديلاً عن المشاركة، والشك بديلاً عن الثقة. وهذه ليست البيئة التي يمكن أن تُبنى فيها دولة مستقرة أو سلام دائم.
ويبقى السؤال الذي لن يختفي بسهولة: إذا كان الحديث عن إنهاء الحرب يجر صاحبه إلى قاعات المحاكم، فمن الذي سيجرؤ غداً على المطالبة بسلام يستحقه السودانيون جميعاً؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.