القضية ليست فقط أن يفشل الحوار، لأنه “فاشل”، بل أن يسقط مشروع تحويل الدم إلى شرعية، والحرب إلى طريق نحو القصر الجمهوري.
وهذه الخطوات تهزم خطة الجنرال…
طيف أول:
لو أن اللثام أميط عن الصمت، لظهرت نبرة خوف مما لا يُقال، ونفحٌ من عطر البوح.
وما خلصنا إليه أن حوار البرهان سيفشل لأسباب ذكرناها، وحددتها كل ردود الأفعال للقوى المدنية التي لم تكتفِ بالرفض فقط، بل قدّمت الأدلة والبراهين والحجة السياسية عبر البيانات والتصريحات والمقابلات التلفزيونية.
ولكن هل القضية هي الحوار الذي دعا إليه البرهان أم القضية هي طموح البرهان في الرئاسة الذي قد لا ينتهي بفشل الحوار؟!!
ذلك الحوار الذي لا ينبغي أن يُسمّى الحوار السوداني، بل الحوار مع (من يساندون البرهان) على حد دعوته .
ففي تجارب كثيرة، فشل الحوار لا يعني نهاية الطموح السياسي، بل أحياناً يكون الفشل ذريعة للقول:
“لقد حاولتُ الحوار… لكن الآخرين رفضوا، وبالتالي لا بد من مسار جديد.”
فالحوار سيفشل بلا شك، لكن الطموح الرئاسي يمكن أن يستمر عبر مسارات أخرى: خطاب سياسي جديد، وتحالفات إقليمية، وإعادة تشكيل المشهد العسكري، أو حتى بفرض واقع سياسي بالقوة.
إذن، هل الدعوة هدفها الحوار أم مجرد وسيلة؟
فخطاب البرهان في الأشهر الأخيرة لم يعد خطاب قائد جيش فقط، بل خطاب رئيس يسعى لتقديم نفسه كخيار سياسي، ويتحدث عن “مشروع وطني”، ويقدّم نفسه كحامي للدولة، ومشغول الآن بطرح رؤى سياسية لا عسكرية.
وهذا النوع من الخطاب عادةً ما يسبق محاولة صناعة شرعية انتخابية.
وحتى لو فشل الحوار، فمجرد الدعوة إليه سيستغلها البرهان كمنصة سياسية وفرصة للتتويج، ويظهر كطرف سياسي غير مثقل بأي خطيئة، ويمكن أن يحمل الآخرين مسؤولية الفشل.
لذلك، إن إيقاف الحرب في السودان، ومنع تحويلها إلى سلمٍ مزيف يقود إلى رئاسة عسكرية جديدة، يتطلب أكثر من رفضٍ لفظي لمشروعات البرهان السياسية.
المطلوب اليوم أن تنتقل القوى المدنية من موقع المتفرج الغاضب إلى موقع الفاعل المنظّم، بوثيقة موحدة وجبهة واسعة، ليس لإسقاط الحوار الساقط، بل لوضع برنامج واضح يربط بين وقف الحرب وتحجيم الدور السياسي للمؤسسة العسكرية، ويقطع الطريق أمام أي محاولة لصناعة رئيس جديد من رحم المدافع والخراب.
فالقضية ليست فقط أن يفشل الحوار، لأنه “فاشل”، بل أن يسقط مشروع تحويل الدم إلى شرعية، والحرب إلى طريق نحو القصر الجمهوري.
وهذه ليست مسؤولية طرف واحد، بل مسؤولية مجموعة أطراف محددة إذا تحركت معاً يمكنها أن تخلق مساراً جديداً.
فالقوى المدنية يمكن أن تتحرك مع القوى الإقليمية والدولية ذات المصلحة في الاستقرار، ولا يمكن تجاهل هذا العامل، لأن هذا المسار يمكن أن يشكّل ضغطاً دولياً على الأطراف المسلحة لإنهاء المأساة الإنسانية، ورفض أي ترتيبات تمنح العسكريين شرعية سياسية، ودعم المسار المدني اقتصادياً وسياسياً.
فالقوى المدنية والمنظمات ودبلوماسية الثورة تستطيع أن تهزم المسار الذي يتحرك فيه البرهان إذا تحركت نحو الدول الداعمة لوقف الحرب.
فاستناد البرهان إلى دول محدودة لا يعني أن مساره هو الأقوى، فالدول الداعمة لوقف الحرب أكثر عدداً ونفوذاً، وتمتلك مصلحة مباشرة في استقرار السودان.
وإذا تحركت القوى المدنية نحو هذه الدول بخطاب موحد ورؤية واضحة، فإنها تستطيع أن تشكّل تحالفاً مدنياً–إقليمياً–دولياً قادراً على هزيمة المسار الحالي، وفرض وقف الحرب، ومنع عسكرة الرئاسة، وإعادة بناء الدولة على أسس جديدة.
كما أن القوى المدنية والمنظمات الحقوقية، بالإضافة إلى نفوذ الدول الداعمة للسلام، يمكن أن تهزم خطة البرهان بصورة عاجلة؛ إذ إنه يستطيع أن يحكم الشعب بالقوة داخل السودان، لكنه لا يمتلك القوة التي تغلق الملفات الدولية
كتصنيف الإخوان كجماعة إرهابية،وملف استخدام الأسلحة الكيماوية،وملفات الانتهاكات والجرائم ضد الإنسانية.
فهذه ملفات تحت يد المنظمات الدولية، والدول الكبرى، والآليات القانونية العابرة للحدود، وهي نقطة ضعف الجنرال الذي يحاول أن يحكم الشعب بعد كل ما أذاقه من لأواء ومرارات.
طيف أخير:
#لا_للحرب
قال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية لـ”الشرق” إن واشنطن مستعدة للعمل مع شركائها لدعم حوار سوداني “حقيقي وشامل بقيادة مدنية”، ينعقد في موقع تتفق عليه الأطراف، وإنها قدّمت بالتعاون مع حلفائها مقترحات متكررة لهدنة إنسانية وخطة سلام أوسع تهدف إلى إنقاذ الأرواح، ووضع السودان على مسار يقود إلى حوار سياسي سوداني–سوداني، وسلام دائم، وانتقال.
وشدّد على أن مسؤولية الموافقة على هدنة إنسانية والالتزام بها تقع على عاتق القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، داعياً الطرفين إلى “اختيار السلام بدلاً من الحرب والتسبب في المعاناة”.
(قال ليك :
طرفا النزاع، سلام دائم، رعاية مدنية… وليس عسكرية).
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.