خبراء لـ”عين الحقيقة”: أي انخراط في السودان يجب أن يحافظ على الحياد ويستند إلى توافق سياسي شامل
أثارت الأنباء المتداولة بشأن اعتزام الاتحاد الأفريقي إعادة تشغيل مكتب الاتصال التابع له في الخرطوم نقاشاً سياسياً واسعاً، وسط تباين في تقييم الخطوة بين من يراها ضرورية لتعزيز الانخراط الدبلوماسي ودعم جهود السلام، وبين من يحذر من تداعياتها في ظل المشهد السياسي والأمني المعقد الذي تعيشه البلاد. وتأتي هذه التطورات بينما لا تزال الحرب مستمرة في عدد من المناطق، في وقت يواجه فيه السودان تحديات تتعلق بإعادة إطلاق العملية السياسية، واستعادة مؤسسات الدولة، ومعالجة الأزمة الإنسانية المتفاقمة.
وبحسب دراسة حديثة صادرة عن معهد الدراسات الأمنية في أفريقيا (ISS)، ونقلتها سكاي نيوز، فإن إعادة فتح مكتب الاتحاد الأفريقي في ظل الظروف الحالية قد تُفسَّر من قبل بعض الأطراف باعتبارها مؤشراً على اعتراف ضمني بالسلطات القائمة، وهو ما قد يثير تساؤلات حول انعكاسات الخطوة على الدور الذي يضطلع به الاتحاد الأفريقي في الوساطة بين الأطراف السودانية. وأشارت الدراسة إلى أن استمرار حالة الاستقطاب السياسي والعسكري يفرض تحديات إضافية أمام أي وجود ميداني للمنظمة القارية، ويستلزم الحفاظ على مسافة متساوية من مختلف الأطراف، بما يعزز الثقة في دورها كوسيط إقليمي.
تحديات أمام الوساطة الأفريقية
وقال الباحث في الشؤون الأفريقية الدكتور حسن الساعوري، في تصريح لـ**”عين الحقيقة”**، إن نجاح أي بعثة أو مكتب تابع للاتحاد الأفريقي داخل السودان سيعتمد بصورة أساسية على مدى قدرته على الحفاظ على الحياد والاستقلالية. وأضاف أن “أي انطباع بوجود انحياز لأي طرف قد يضعف ثقة القوى السياسية والمدنية في دور الاتحاد، ويؤثر على فرص نجاح أي جهود مستقبلية للتقريب بين الفرقاء السودانيين”. وأشار إلى أن المنظمة القارية مطالبة بالتمسك بالمبادئ التي تبنتها في ما يتعلق بدعم الانتقال الدستوري ورفض التغييرات غير الدستورية، مع العمل في الوقت ذاته على تهيئة بيئة تساعد على إنهاء الحرب.
أهمية البيئة السياسية
من جانبه، قال المحلل السياسي الدكتور محمد ضياء الدين، لـ”عين الحقيقة”، إن إعادة فتح المكتب، إذا تمت، ينبغي أن تكون جزءاً من استراتيجية أوسع لدعم الحوار الشامل، لا مجرد خطوة إدارية أو رمزية. وأضاف أن “السودان يعيش انقساماً سياسياً وعسكرياً عميقاً، وأي تحرك دولي أو إقليمي ستكون فرص نجاحه مرتبطة بقدرته على التواصل مع مختلف الفاعلين، والحفاظ على استقلالية دوره”. وأكد أن الأولوية يجب أن تظل منصبة على وقف الحرب، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وتهيئة الظروف لاستئناف عملية سياسية تحظى بقبول واسع.
بين الحضور الميداني والحفاظ على الحياد
ويرى مراقبون أن وجود بعثة ميدانية للاتحاد الأفريقي قد يسهم في متابعة الأوضاع الإنسانية والسياسية عن قرب، لكنه في الوقت نفسه يفرض تحديات تتعلق بالحفاظ على صورة المنظمة كوسيط محايد، خاصة في ظل استمرار الانقسام بين القوى السودانية. ويشير محللون إلى أن نجاح الاتحاد الأفريقي في أداء هذا الدور يتطلب شفافية في طبيعة مهام المكتب، وتنسيقاً مع مختلف الأطراف السودانية والإقليمية، بما يمنع أي تفسيرات قد تؤثر على مصداقيته.
الاستقرار يحتاج إلى توافق شامل
ويجمع خبراء على أن أي دور إقليمي أو دولي في السودان لن يكون كافياً بمفرده لإنهاء الأزمة، ما لم يقترن بجهود سودانية جادة لوقف الحرب، وإطلاق حوار سياسي شامل، وإعادة بناء الثقة بين مختلف القوى الوطنية. وفي ظل استمرار الصراع، تبقى قدرة الاتحاد الأفريقي على الموازنة بين الحضور الميداني والحفاظ على حياده المؤسسي أحد أهم التحديات التي ستواجه المنظمة في المرحلة المقبلة، بينما يظل الهدف الأوسع هو دعم مسار يقود إلى سلام مستدام واستقرار يعيد السودان إلى محيطه الإقليمي بصورة طبيعية.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.