مسرحية «الجمجمة والبيان»: قراءة في خطاب نخبة «الجميلة ومستحيلة ومغارة الجنرال»؟

د. عثمان الوجيه

 

في الوقت الذي كانت فيه الخرطوم تنزف عرقاً ودماً، وتحترق أحياؤها تحت وطأة المدافع وسحائب الدخان الصامتة في هذه الحرب الضروس التي أكلت الأخضر واليابس منذ أواسط أبريل 2023م —وقتلت الآلاف وشردت الملايين— كان صفوة القوم من خريجي جامعة الخرطوم “الجميلة ومستحيلة” يراقبون من يستجمّون في قاعات “أديس أبابا” المكيفة، ويرتشفون القهوة الحبشية المعطرة بالهال، ويستنشقون هواء الاستوائيات المعتدل، هناك، بين جدران الفنادق المنيعة في أواخر أغسطس 2026م، اجتمع رؤوس “مؤتمر الخريجين” ليقرروا مصير أمةٍ باتت تبحث عن كسرة خبز تحت وابل الرصاص، جلس القوم يتسامرون بعبارات متأنقة، صاغتها يدُ النخبة التاريخية التي طالما اعتقدت أنها تفكر نيابة عن المليونات، لم تكن المأساة في أنهم اجتمعوا، بل في تلك الحالة من الفصام الأكاديمي المريب؛ فالشعب في الميدان يبحث عن ممر آمن، والجنرالات يتبادلون نخب الفناء، بينما أفندية الجامعة يمارسون رياضة “التنظير المقعد” صاغين لأنفسهم بيانات تفيض بالخيلاء والترفع، ولعل أولى صفعات الحق التي صبها البيان على وجه المأساة –وهنا يتبدى الجانب الإيجابي الناصع في نصهم– هي تلك الجرأة في تعرية دعوة “قائد الجيش” للحوار، أي حوار هذا الذي يدعو إليه جنرالٌ يتصرف كأنه يحكم إمبراطورية رومانية وهو يسيطر على نصف خريطة ويدير حروبه عبر “البيانات المسجلة” والخطب الحماسية وسط جنود جياع؟، «كيف يستقيم للحوار معنى، وعصا القائد تعلو فوق الرؤوس، وميدانه بقعة يملكها طرف واحد يحدد فيها من يدخل، ومن يتكلم، ومن يُساق إلى المحاكمة بتهمة الخيانة العظمى لمجرد أنه طالب بالسلام؟»، سخر البيان –وبحق– من مهزلة الحوار العسكري؛ فالجنرال يريد أن يستدعي القوى المدنية إلى “بيت طاعته العسكري”، يحدد الأجندة، يختار اللجنة التحضيرية، يكتب التوصيات مقدماً، ثم يطلب من الناس أن يصفقوا لمسرحية “الشرعنة المتجددة”، إنه يرغب في حوار تحت وطأة القصف ومدافع الدبابات، وعلى وقع بطون جائعة لا تجد قوت يومها، ممهداً الطريق لعودة فلول النظام البائد وأشباح الحركة الإسلامية ليمسكوا بمفاصل الدولة من جديد تحت دثار “الوطنية العسكرية”، فكان التشخيص الصائب والعمى الميداني، حيث أبدع الخريجون حين وضعوا أيديهم على العلة الأساسية: لا حوار سياسي قبل الوقف الفوري للعدائيات، ولا شرعية لسياسة تُصاغ في ثكنات طرف واحد يكرّس الانقسام الجغرافي والسياسي ويهدد ما تبقى من هيكل السودان المتهالك، هنا نطق البيان بالحق الذي يُحسب له؛ فقد عرّى المحاولة الخبيثة لإعادة تدوير الحكم العسكري البائد وتلقين القوى المدنية درس الانصياع، فالجانب الإيجابي في البيان: الرفض القاطع لمحاولة العسكر فرض خيار شمولية جديدة، التمسك بالمرجعيات الدولية (كالرباعية والخماسية)، والمطالبة الصارمة بستار مدني واكتفاء العسكر بالجانب الأمني فقط، واستبعاد فلول النظام القديم، أما الجانب السلبي في البيان: الخيالية المفرطة في توهم أن كتابة “المحاور الثلاثة” (الإنساني، السياسي، الوطني) على أوراق معطرة في أديس أبابا كفيلة بأن تجعل أمراء الحرب الذين يتغذون على جثث الضحايا يلقون السلاح فوراً وينسحبون إلى الثكنات بلمسة بنان، إنه الحلم الأكاديمي في زمن المليشيات، وما إن يُثني المرء على التفكيك اللامع لمكر الجنرال، حتى يصدمه السقوط المريع لـ”حكماء الجامعة” في فخ الأوهام الشجرية! طرح الخريجون ما أسموه “المسار البديل”، ورصّوا فيه محاور ثلاثة تفيض بالجمال والشاعرية: “حوار مدني شامل”، “جيش وطني موحد”، “عدالة انتقالية”!، يا لروعة الكلمات على الورق! ولكن أين العضلات التي ستفرض هذا الفردوس؟ إنهم يتحدثون عن “قصر دور العسكريين على الجوانب الأمنية” وكأن أمراء الحرب والمليشيات المتمردة المستنفرة مجرد موظفين مطيعين في ديوان الخدمة المدنية، ينتظرون خطابات النقل والترقية من خريجي جامعة الخرطوم! كيف لجيشٍ ذاق طعم السلطة لعقود، ولمليشيا تمردت واستمرأت النهب والقتل، أن يخضعا لمنطق بيان كُتب بأقلام حبر جاف على طاولة مفاوضات؟، فهو بيانٌ من ورق، ووطنٌ من حديد ونار، حيث ختم الخريجون بيانهم بدعوة “جماهير الشعب السوداني” للاصطفاف والضغط الشعبي، وهي دعوة نبيلة، لكنها تشبه من يدعو الغرقى في منتصف المحيط إلى تنظيم مسيرة احتجاجية ضد الأسماك المفترسة! فالشعب مشرد في الفاشر، ونازح في كسلا، ولاجئ في دول الجوار، والجيش والمليشيا يتنافسان في إطباق الخناق على أنفاسه، لقد أراد بيان الجامعة أن يكون وثيقة نجاتية، فكان في نصفه الأول ساطوراً كشف عورة السلطة العسكرية وعبثية دعواتها الحوارية، ولكنه في نصفه الثاني استحال قصيدة رومانسية يقرأها الأكاديميون على مسامع الموتى، ينتهي البيان بعبارة “عاش السودان حراً مستقلاً”، بينما الحقيقة المرة على الأرض تقول: إن الوطن يئن بين فكي جنرال يحلم بالكرسي، ومليشيا تعبث بالنسيج، ونخبة تعيش في برجها العاجي تكتب البيانات وتنتظر المعجزات!.. هنا تحضرني طرفة فليسمح لي القارئ الحصيف بأن أوجزها في هذه المساحة وبهذه العجالة وهي:- منذ الخامس عشر من أبريل لعام ألفين وثلاثة وعشرين، والتراب الذي مشت عليه طفولتنا يغلي تحتاً وفوقاً؛ حربٌ ضروس أكلت الأخضر واليابس، حصدت أرواح الآلاف، وبعثرت ملايين أهلي في شتات الأرض ووحشة النزوح، وفي زحام هذا الذهول، لم أكن سوى صحفيٍّ يحمل قلمًا يرتجف وجعًا، ووجدانًا ينبض بوطنٍ يُحتضر، اخترتُ، بكامل وعيي وانحيازي الأخلاقي، أن أقف في خندق القوات المسلحة السودانية ضد مليشيا الدعم السريع المتمردة، لم يكن ذلك انحيازًا لشهوة الحرب، بل اتساقًا مع فلسفةٍ أراها جلية كالشمس: إنها ليست معركةً بين ندّين يقتسمان الصواب والخطأ، بل هي هجمةٌ تتتداعى فيها المليشيا لتخريب ما تبقى من أركان الدولة وتدمير بنيانها، فالهمُّ العام والواجب الوطني يفرضان عليَّ مؤازرة المؤسسة العسكرية حتى تحرير التراب واقتلاع الجريمة من جذورها، وحين تستقر البلاد، وتعود للدولة هيبتها، سنملك حينها حق الحساب والمساءلة؛ سنحاسب المقصرين من قادة الجيش الذين أسلموا قيادهم لإملاءات الحركة الإسلامية وحزبها المنحل، وظلوا يتحركون تحت ظلال نظام الإنقاذ البائد، غير أن قولي هذا لم يسلم من الألسنة؛ فاتُهمتُ بضعف الحياد كغيري من الكُتاب الذين أصروا على حماية الفكرة الوطنية، وما زاد الطين بلة أنني لم أستثنِ أخطاء مؤسستنا العسكرية، فكتبتُ مرارًا أستنكر واقعًا مؤلمًا أرى فيه بعض قادة الجيش تُستجوب قياداتهم (سنوية) من الساسة، بينما يُحيي ضباطهم الفن (ندوية) على حساب الهيبة؛ فمن جهة تُطالعنا “سناء حمد” بتصريحاتها عن تكليفها بالتحقيق مع أعتى القادة الأمنيّين كعوض بن عوف وصلاح قوش بأمرٍ من أمين الحركة الراحل الزبير أحمد الحسن، ومن جهة أخرى نرى المشاهد التي يُؤدي فيها الضباط التحية العسكرية للفنانة “ندى القلعة” في محافلها الوطنية الداعمة! أطلقتُ قريحتي بنقد هذا المشهد السريالي، فصار رأي شخصي الضعيف مثار جدالٍ محتدم لدى القارئ الحصيف، وأثارت صراحتي غضب حتى أولئك الذين يقفون معي في صف دعم الجيش، فوق هذا وذاك، أحرص دوماً على أن أختم سطوري الحزينة بوسم ينبض بالرجاء: #أوقفوا_الحرب فهاجمني دعاة الاستمرار وطبول الفتنة، ويا سادتي، أصدقوني القول إن أعلنتها صريحة مدوية: ما يهمني، وما يستبد بفؤادي وفؤاد كل شريف، هو أن تتوقف هذه الحرب اللعينة اليوم قبل الغد، ليعود للوطن نبضه، وللناس أمنهم، وللقلم حريته في بناء ما دمرته السنون. Gentlemen, believe me when I declare it loudly and clearly: what concerns me, what occupies my heart and the heart of every honorable person, is that this accursed war in Sudan ends today, before tomorrow, so that the nation may regain its pulse, the people their security, and the pen its freedom to rebuild what the years have destroyed وعلى قول جدتي:- “دقي يا مزيكا!!”.

خروج:- “في بلجيكا.. ظِلٌّ فِي القَصْرِ المَهْجُورِ: حِينَمَا يَكُونُ العَرْشُ أَقَلَّ دِفْئاً مِنْ عَنَاقِ أَب ،،!!؟!” تَحْتَ سَقْفٍ لا يَحْمِلُ جُدْرَانَهُ أَلْقُ التَّاجِ، وَفِي أَبْهَاءِ صَمْتٍ طَوِيلٍ يَسْكُنُهُ صَدَى الأَسْئِلَةِ الحَائِرَةِ، نَشَأَ كْلِيمَان، لَمْ يَكُنْ ذَاكَ الصَّبِيُّ يَبْحَثُ فِي صِغَرِهِ عَنْ صَوْلَجَانٍ يَهْتَزُّ لَهُ المَمَالِكُ، وَلا عَنْ حَرِيرٍ يُغَطِّي بَرْدَ أَيَّامِهِ، بَلْ كَانَتْ رُوحُهُ المَعْنُوِيَّةُ تَتَأَكَّلُ بَيْنَ لَحْظَةٍ وَأُخْرَى بَحْثاً عَنْ ثَقَبَةِ نُورٍ تُجِيبُ عَنْ سُؤَالٍ حَفَرَ فِي قَلْبِهِ وَشْماً مِنَ الوَجَعِ: “مَنْ يَكُونُ أَبِي؟”، فِي صَيْفِ عَامِ أَلْفَيْنِ، وُلِدَ كْلِيمَان لِيَكُونَ ثَمَرَةَ عاطِفَةٍ خَاطِفَةٍ جَمَعَتْ بَيْنَ الأَمِيرِ لُورَان وَالمُغَنِّيَةِ الفْلَمَنْكِيَّةِ ويندِي، لَكِنَّ القَدَرَ غَزَلَ لَهُ ثَوْباً مِنَ الكِتْمَانِ المُرِّ، صَارَ الصَّبِيُّ يَنْمُو فِي ظِلالِ أُمِّهِ، يَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ بِاسْمِهَا “فَان دِين كِيرْكِهُوف”، بَيْنَمَا يَحْمِلُ فِي أَعْمَاقِهِ غُصَّةً لا تُحْكَى، وَحِينَمَا بَلَغَ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ، انْفَجَرَتْ حَقِيقَةُ هُوِيَّتِهِ كَالصَّاعِقَةِ فِي صَدْرِهِ؛ أَمْسَكَتْ أُمُّهُ بِيَدِهِ لِتُهْمِسَ لَهُ بِالسِّرِّ العَظِيمِ، لَكِنَّهَا كَبَّلَتْهُ بِشَرْطٍ يَفْلِقُ الكَبِدَ: “لا تَقُلْ لِأَحَدٍ”، يَا لَقَسْوَةِ الهَدِيَّةِ حِينَمَا تَكُونُ قَيْداً! كَيْفَ لِفَتًى غَرِيرٍ أَنْ يَحْمِلَ جَبَلاً مِنَ النَّسَبِ المَلَكِيِّ فِي صَدْرِهِ الدَّنِفِ، لِيَسِيرَ بِهِ بَيْنَ الأَنَامِ كَغَرِيبٍ يَكْتُمُ أَنَفَاسَهُ كَيْ لا يَفْضَحَهُ النَّبْضُ؟ مَضَتِ السَّنَوَاتُ ثَقِيلَةً كَالأَغْلالِ، كَانَ كْلِيمَان يَعْمَلُ بَائِعاً لِلسَّيَّارَاتِ، يَبْتَسِمُ لِلْعَابِرِينَ وَيَشْرَحُ لَهُمْ مَزَايَا المَرْكَبَاتِ، بَيْنَمَا كَانَتْ نَوْبَاتُ القَلَقِ تَنْتَزِعُ طُمَأْنِينَتَهُ انْتِزَاعاً، وَتَعْصِرُ قَلْبَهُ الرَّقِيقَ بِخَوْفٍ لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ أَحَدٌ. أَيُّ بُؤْسٍ أَنْ تَكُونَ ابْناً لِلأَمِيرِ، وَتَعِيشَ حَيَاةَ السُّهَادِ وَالاضْطِرَابِ تَبْحَثُ عَنْ أَمَانٍ لا يَمْنَحُهُ كَلَامُ المَلِكِ وَلا جَاهُ العَرْشِ! ثُمَّ جَاءَتْ لَحْظَةُ الحَقِيقَةِ؛ فِي المُسْتَشْفَى، حَيْثُ حَسَمَ فَحْصُ الحَمْضِ النَّوَوِيِّ الشَّكَّ، سَارَ الأَمِيرُ مَعَهُ، وَهَمَسَ فِي أُذُنِهِ بِكَلِمَاتٍ تُهَدِّئُ رَوْعَهُ، ثَبُتَ النَّسَبُ، وَأَصْبَحَ كْلِيمَان “أَمِيراً” بِحُكْمِ القَانُونِ، لَكِنَّ الدَّوْلَةَ لَمْ تُعْطِهِ عَرْشاً وَلا مَخْصُوصَاتٍ، وَلَمْ يَكُنْ هُوَ يَبْحَثُ عَنْهَا أَصْلاً، فَالْتَاجُ البَارِدُ لا يُدْفِئُ القُلُوبَ الكَلِيمَةَ، وَالمَظَاهِرُ البَرَّاقَةُ لا تَرْفُو جِرَاحَ السِّنِينَ، أَبْقَى كْلِيمَان عَلَى اسْمِ أُمِّهِ وَوَفَائِهِ لَهَا، لِأَنَّ مَا كَانَ يَتَمَنَّاهُ طَوَالَ عُمْرِهِ المَجْرُوحِ لَمْ يَكُنْ مَجْداً يُشَارُ إِلَيْهِ بِالبَنَانِ، بَلْ حَضْناً دَافِئاً، وَأَنْ يَسْمَعَ كَلِمَةً وَاحِدَةً تُعِيدُ لِرُوحِهِ السَّكِينَةَ: “أَنْتَ ابْنِي، وَأَنَا أَبُوكَ”. #أوقفوا_الحرب ولن أزيد،، والسلام ختام.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.