الحوار السوداني بين فخ الشرعنة وموقف القوى المدنية الرافضة

فاطمة علي سعيد

 

 

 من يملك حق تحديد مستقبل السودان، ومن يملك شرعية التحدث باسمه؟

 

 

في خضم هذا المشهد، تبرز دعوة «الحوار السوداني– السوداني» باعتبارها واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل. فبدلاً من أن تكون خطوة واضحة نحو وقف الحرب وبناء السلام، تثير الدعوة مخاوف من أن تتحول إلى أداة سياسية لإعادة إنتاج السلطة القائمة ومنح شرعية جديدة لحكم الفريق عبد الفتاح البرهان.

 

وإذا كان الهدف الحقيقي هو السلام، فإن الأسئلة التي تطرح نفسها بقوة هي: من يدير الحوار؟ ومن يحدد أجندته؟ ومن يختار المشاركين؟ وما الضمانات التي تحول دون استخدامه لتكريس سلطة طرف واحد؟

 

فالحوار الذي يبدأ بالإقصاء لا يمكن أن ينتهي إلى سلام شامل، والسودان ليس ملكاً للجيش، كما أنه ليس ملكاً لأي تحالف مدني أو مسلح. إنه وطن لشعب دفع ثمناً باهظاً من الدم والنزوح والجوع والدمار.

 

المشكلة ليست في مبدأ الحوار، وإنما في طبيعة الحوار، والجهة التي تديره، والبيئة التي ينعقد فيها، والأهداف السياسية التي قد تترتب عليه.

 

إذا كان الحوار مجرد آلية لإعادة تقديم السلطة العسكرية باعتبارها الخيار الوحيد القادر على إدارة الدولة، فإنه لن يكون حلاً للأزمة،رضثفء إعادة إنتاج لها بوسائل سياسية.

 

فالشرعية السياسية لا تُصنع بالبيانات، ولا تُمنح عبر مؤتمرات سياسية، وإنما تُبنى على الإرادة الشعبية، وسيادة القانون، والمؤسسات الدستورية، والانتقال المدني الديمقراطي، وصولاً إلى انتخابات حرة ونزيهة.

 

ومن هنا، فإن المخاوف من تحول الحوار إلى غطاء سياسي لحكم البرهان ليست مجرد هواجس … سؤال مشروع ينبغي أن يكون في صميم أي نقاش حول مستقبل السودان.

 

يكشف الجدل حول تركيبة الحوار عمق الانقسام داخل المشهد السوداني.فهناك من يرى ضرورة إشراك تحالف «صمود» باعتباره أحد مكونات القوى المدنية والثورية، وهناك من يرفض مشاركته بصورة قاطعة، بينما تذهب أطراف أخرى إلى الدعوة لحوار أوسع يضم «صمود» و«تأسيس» وسائر القوى السياسية والاجتماعية.

 

لكن السؤال الأهم هو: هل الحوار منصة للإقصاء أم مساحة لصناعة التسوية؟

 

لا ينبغي أن تتحول المشاركة السياسية إلى منحة يمنحها طرف لطرف آخر، ولا أن يصبح الحوار مكافأة للموالين وعقوبة للمعارضين. وفي الوقت نفسه، لا يجوز أن تُستخدم العملية السياسية لفرض حصانات على من تثبت مسؤوليته عن جرائم أو انتهاكات.

فالجرائم مكانها القضاء المستقل، والمحاسبة يجب أن تطال كل من تثبت مسؤوليته، أياً كان موقعه أو انتماؤه السياسي أو العسكري.

 

المفارقة السياسية أن دعوة الحوار قد تحقق عكس الهدف الذي يُفترض أن تسعى إليه.

 

فبدلاً من تفكيك القوى المناهضة للحرب، دفعت الدعوة إلى بروز مواقف مشتركة بين قوى سياسية ومدنية متعددة المشارب، رأت أن الحوار بصيغته المطروحة لا يوفر شروطاً كافية لسلام حقيقي، وأن إدارته من بيئة يهيمن عليها طرف عسكري تثير مخاوف من استخدام الحوار لإضفاء شرعية على السلطة القائمة.

وفي المقابل، فإن رفض أي حوار سوداني–سوداني لمجرد أنه لا يأتي وفق الشروط التي تضعها بعض القوى المدنية، لا يمثل أيضاً مخرجاً من الأزمة. السودان أكبر من أي تحالف سياسي، وأكبر من صمود وتأسيس والإسلاميين والجيش والدعم السريع. ومن الخطأ أن يتحول كل تيار إلى صاحب الحق الحصري في تمثيل الشعب.

 

وقد طرحت القوى المناهضة للحرب، وفق مواقفها المعلنة، رؤية بديلة تقوم على ثلاثة مسارات متزامنة: مسار إنساني، ومسار لوقف إطلاق النار، ومسار سياسي يعالج جذور الأزمة بدلاً من الاكتفاء بإدارة نتائجها.

 

كما برزت دعوات إلى توحيد المبادرات والجهود الدولية في مسار تفاوضي أكثر تنسيقاً، حتى لا يتحول تعدد المنابر إلى وسيلة تستغلها أطراف الحرب للمناورة بين الوسطاء واستثمار تناقضاتهم.

موقف القوى المدنية المناهضة للحرب الرافضة للحوار الذي ترى أنه يُدار من مناطق سيطرة طرف واحد، فهو موقف يستحق النقاش لا التخوين. فإذا كانت هناك مخاوف حقيقية من أن تتحول العملية إلى محاولة لمنح شرعية لطرف عسكري أو لإعادة إنتاج النظام السابق، فإن المعالجة لا تكون بالهروب من الحوار، وإنما بفرض ضمانات حقيقية، وآلية مستقلة، وأجندة واضحة، ومشاركة متوازنة، ورقابة سودانية وإقليمية ودولية.

وفي المقابل، فإن استعداد «تأسيس» للتواصل مع الآلية الخماسية ومراجعة ترتيبات العملية السياسية يفتح باباً ينبغي عدم إغلاقه. فالسياسة في زمن الحرب ليست مسابقة لإثبات من يملك الصوت الأعلى، وإنما مسؤولية تاريخية للبحث عن الطريق الأقل كلفة على الشعب.

 

وهنا تكمن المفارقة: ما قد يكون قد طُرح كمدخل لتفكيك الاصطفافات، قد يتحول إلى عامل إضافي لتوحيد المواقف المناهضة للحرب.

أما مشاركة الإسلاميين وحلفائهم، وفي مقدمتهم حزب المؤتمر الوطني المحلول، في أي عملية سياسية تتعلق بمستقبل السودان، فهي مرفوضة من منظور القوى التي ترى أن البلاد لا يمكن أن تعود إلى المنظومة السياسية التي حكمت لعقود وأُسقطت بإرادة شعبية.

 

وهذا الرفض، في جوهره، لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد تصفية حسابات سياسية، وإنما إلى موقف مرتبط بمسؤولية سياسية وتاريخية عن منظومة حكم كرست الاستبداد، وأضعفت التحول الديمقراطي، وأسهمت في إنتاج بيئة سياسية واقتصادية ومؤسسية انتهت إلى الأزمات التي يعيشها السودان اليوم.

ولا يمكن أن تتحول طاولة السلام إلى بوابة لإعادة تدوير النظام السابق تحت مسميات جديدة، أو إلى «حصان طروادة» يعيد الإسلاميين وحلفاءهم إلى السلطة من النافذة بعد أن خرجوا منها بإرادة شعبية.

 

وفي المقابل، تبقى المحاسبة على الجرائم والانتهاكات شأناً قضائياً لا تسقطه التسويات السياسية، ولا ينبغي أن تكون المشاركة أو عدمها بديلاً عن العدالة.

 

السلام لا يحتاج إلى وصاية عسكرية .السودان لا يحتاج إلى حوار يمنح أي طرف شهادة شرعية، وإنما يحتاج إلى عملية سياسية مستقلة وشفافة، يكون هدفها الأول وقف الحرب وحماية المدنيين، ثم فتح الطريق أمام تأسيس دولة مدنية ديمقراطية.

 

إن وضع الحوار تحت سقف سلطة عسكرية أو ربطه بموازين القوة في الميدان يعني أن السياسة ستظل امتداداً للحرب، وأن طاولة التفاوض ستتحول إلى جبهة جديدة للصراع بدلاً من أن تكون طريقاً للخروج منه.

 

فالسلام الحقيقي لا يعني فقط إسكات البنادق، وإنما معالجة جذور الأزمة: أزمة الدولة، واختلال بناء المؤسسات العسكرية والأمنية، والصراع على السلطة، والتهميش، وغياب العدالة، وتعثر الانتقال الديمقراطي.

 

السودان أكبر من البرهان وأكبر من كل التحالفات ..المشكلة الأساسية أن البعض يتعامل مع بقاء السلطة القائمة وكأنه شرط لبقاء الدولة، بينما الحقيقة أن الدولة السودانية أكبر من أي قائد عسكري، وأبقى من أي حكومة، وأوسع من أي تحالف سياسي.

البرهان ليس السودان، والجيش ليس الدولة، كما أن «صمود» و«تأسيس» والإسلاميين وغيرهم ليسوا السودان.

 

السودان وطن لشعبه، والشعب هو صاحب الحق في تحديد شكل دولته ومستقبلها.

 

لذلك فإن أي حوار سوداني–سوداني جاد يجب أن يجيب بوضوح عن أسئلة أساسية:

 

هل الهدف إنهاء الحرب أم تثبيت سلطة قائمة؟

هل يفتح الطريق أمام انتقال مدني أم يعيد إنتاج الحكم العسكري؟

هل يضع العدالة والمحاسبة في المقدمة أم يمنح حصانات سياسية؟

هل يمثل السودانيين بمختلف مكوناتهم أم يعكس فقط موازين القوة على الأرض؟

 

إذا كانت الإجابات واضحة، فليكن الحوار.

 

أما إذا كانت الطاولة مصممة مسبقاً لتكون بوابة لإضفاء الشرعية على حكم البرهان، فإنها لن تكون طاولة سلام، إنما إعادة تدوير للأزمة تحت عنوان جديد.

 

السودان يحتاج إلى عملية سياسية تنهي الحرب، لا إلى عملية سياسية تُجمّل واقعها. ويحتاج إلى دولة جديدة تقوم على المواطنة وسيادة القانون والعدالة والمؤسسات المدنية، لا إلى إعادة إنتاج الماضي بوجوه وشعارات مختلفة.

 

فالسلام الذي لا يعالج أسباب الحرب ليس سلاماً، والحوار الذي يتحول إلى أداة لشرعنة سلطة قائمة لن يكون طريقاً إلى الدولة، بل طريقاً آخر لإطالة عمر الأزمة.

 

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي لا يستطيع أحد القفز فوقه:

 

هل نحن أمام حوار من أجل السودان، أم أمام محاولة لإعادة إنتاج السلطة باسم السودان؟

 

والفارق بين الاثنين هو الفارق بين سلام يفتح باب المستقبل، وحوار يعيد السودان إلى مربع الأزمة من جديد.

 

#لا_شرعيه_لمن_إنقلب_على_حكومة_الشعب

 

#وبس

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.