خبراء لـ”عين الحقيقة”: اتساع الرفض يعكس تمسكاً بمسار سلام مدني شامل ويؤكد الحاجة إلى عملية سياسية مستقلة
في تطور يعكس استمرار الجدل حول مستقبل العملية السياسية في السودان، أعلنت 36 جهة وشخصية من المنظمات الشبابية والمدنية والمبادرات والمستقلين تأييدها لمخرجات الاجتماع التشاوري للقوى المناهضة للحرب الذي انعقد في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا يومي 22 و23 أغسطس، معلنة في الوقت نفسه رفضها للدعوة التي أطلقها رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان للحوار الداخلي بصيغتها الحالية.
وأكد الموقعون، في بيان تنسيقي، أن المبادرة المطروحة لا توفر الشروط اللازمة لتحقيق سلام شامل، معتبرين أن أي عملية سياسية تُدار تحت إشراف أحد أطراف النزاع لن تكون قادرة على معالجة جذور الأزمة أو بناء توافق وطني مستدام. وأعلن البيان دعمه لوثيقة “الموقف المشترك – عملية السلام التي نريد”، والتي تقترح خارطة طريق ترتكز على ثلاثة مسارات متوازية تشمل المسار الإنساني، ووقف إطلاق النار، والمسار السياسي المدني، باعتبارها إطاراً أكثر شمولاً لإنهاء الحرب وإطلاق عملية انتقال سياسي.
دعوة إلى عملية سياسية مستقلة
وشددت الجهات الموقعة على أن أي حوار سوداني يجب أن يكون شاملاً ومستقلاً، ويضم القوى المدنية والسياسية والمجتمعية، إلى جانب النساء والشباب والنازحين واللاجئين، مع حصر مشاركة طرفي النزاع في الملفات المتعلقة بوقف إطلاق النار والقضايا الإنسانية.
كما دعا البيان إلى حماية المدنيين، وإنهاء الأزمة الإنسانية، واستعادة الحريات العامة، ودعم الانتقال المدني الديمقراطي، مع رفض تكريس مناطق السيطرة العسكرية باعتبارها واقعاً سياسياً دائماً. وأكد الموقعون تمسكهم باستبعاد حزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وواجهاتهما من أي عملية سياسية مستقبلية، مشيرين إلى ما وصفوه بمسؤوليتهما عن تقويض الانتقال الديمقراطي والمساهمة في اندلاع الحرب، مع التشديد على أهمية مشاركة الضحايا والنساء والشباب والنازحين في رسم مستقبل البلاد، بما يشمل قضايا العدالة وجبر الضرر والعودة الآمنة.
خبراء: اتساع المواقف المدنية يحمل دلالات سياسية
وقال المحلل السياسي الدكتور عبد الرحمن الأمين، في تصريح لـ**”عين الحقيقة”**، إن اتساع دائرة القوى الرافضة للحوار بصيغته الحالية يعكس تنامياً في القناعة داخل الأوساط المدنية بأن أي تسوية سياسية ينبغي أن تنطلق من وقف الحرب أولاً. وأضاف أن “المواقف التي صدرت عن عدد كبير من المنظمات والمبادرات المدنية تؤكد وجود رغبة في بناء عملية سياسية أكثر شمولاً، ترتكز على توافق وطني واسع بدلاً من المبادرات التي يطلقها أحد أطراف الصراع منفرداً”. وأشار إلى أن نجاح أي حوار مستقبلي سيظل مرتبطاً بمدى استقلاليته، وتوفير ضمانات تتيح لجميع الأطراف المدنية المشاركة بحرية ومن دون ضغوط.
السلام يبدأ بوقف الحرب
من جانبه، قال الباحث في شؤون التحول الديمقراطي الدكتور حسن الساعوري لـ”عين الحقيقة” إن الوثيقة الصادرة عن اجتماع أديس أبابا تعكس توجهاً يمنح الأولوية للقضايا الإنسانية ووقف إطلاق النار قبل الدخول في ترتيبات تقاسم السلطة. وأوضح أن “تجارب النزاعات تشير إلى أن معالجة الجوانب الإنسانية وبناء الثقة بين الأطراف يمثلان مدخلاً أساسياً لإنجاح أي عملية سياسية لاحقة”. وأضاف أن إشراك النساء والشباب والنازحين واللاجئين في صناعة القرار يمثل أحد العناصر المهمة لتعزيز شرعية أي تسوية مستقبلية.
الحاجة إلى توافق وطني
ويرى الخبير في فض النزاعات الدكتور محمد عبد الجليل أن تعدد المبادرات السياسية يعكس استمرار البحث عن مخرج للأزمة السودانية، لكنه أكد أن نجاح أي مبادرة يظل مرهوناً بقدرتها على تحقيق توافق واسع بين مختلف المكونات السياسية والمجتمعية. وقال لـ”عين الحقيقة” إن “استمرار الحرب يجعل الأولوية القصوى هي الوصول إلى وقف لإطلاق النار، وتهيئة بيئة تسمح بإطلاق عملية سياسية يشارك فيها السودانيون بصورة متكافئة، بعيداً عن منطق الغلبة العسكرية”.
مرحلة مفصلية
ويرى مراقبون أن المواقف التي أعلنتها الأجسام المدنية والشبابية تعكس استمرار النقاش حول شكل العملية السياسية المطلوبة لإنهاء الحرب، في وقت تتزايد فيه الدعوات المحلية والإقليمية والدولية لإطلاق مسار سلام شامل يوازن بين إنهاء القتال، ومعالجة الأزمة الإنسانية، وتهيئة الطريق نحو انتقال سياسي يحقق الاستقرار ويعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس مدنية وديمقراطية.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.