الكنابي وغرف الطوارئ والنيل.. الوجه الآخر لحرب «التعاون»

تقرير - عين الحقيقة

 

لم تكن الخطوة التي أعلنتها حكومة بورتسودان بشأن مراجعة ملفات المتهمين بالتعاون مع قوات الدعم السريع مجرد إجراء قانوني عابر، ولا تبدو، في توقيتها، محاولة روتينية لإعادة ترتيب الملفات القضائية. فالقرار يفتح الباب أمام سؤال أكثر خطورة: كم من المدنيين جرى الزج بهم في المعتقلات، أو قتلهم، أو تعذيبهم، تحت لافتة «التعاون»؟

وبحسب مصادر مطلعة نقلت عنها شبكة «الشرق بلومبرغ»، قررت حكومة بورتسودان مراجعة التكييف القانوني والأدلة والوقائع في ملفات المتهمين، بهدف التمييز بين من تعاون عسكرياً مع قوات الدعم السريع، وبين المدنيين الذين وجدوا أنفسهم مضطرين إلى البقاء في مناطق كانت تسيطر عليها القوات خلال مراحل الحرب.

لكن مجرد الوصول إلى مرحلة مراجعة هذه الملفات يطرح علامة استفهام كبيرة حول ما سبقها من حملات اعتقال ومحاكمات وإجراءات أمنية، خصوصاً في الخرطوم والجزيرة وسنار، حيث تحولت تهمة «التعاون»، في كثير من الحالات، وفق روايات وشهادات متداولة، إلى مظلة واسعة طالت مدنيين لا علاقة لهم بالعمل العسكري.

«التعاون».. تهمة بلا حدود

منذ اندلاع الحرب، لم تعد تهمة التعاون مع الدعم السريع مرتبطة بالضرورة بحمل السلاح أو تقديم معلومات عسكرية. ففي بعض المناطق، أصبح مجرد البقاء تحت سلطة القوة المسيطرة، أو تقديم الطعام والعلاج، أو حتى التعبير عن موقف سياسي مخالف، كافياً لإثارة الشبهات.

وهنا تحديداً تكمن خطورة الأمر.

فالمدني الذي لم يختر الحرب، ولم يكن طرفاً فيها، وجد نفسه أمام خيارين كلاهما مر: إما مغادرة منزله وأرضه في ظروف يستحيل فيها النزوح على كثيرين، أو البقاء تحت سلطة الأمر الواقع، ثم مواجهة تهمة «التعاون» بعد استعادة الجيش للمنطقة.

وبهذه الطريقة، تحولت الحرب من مواجهة عسكرية إلى اختبار ولاء قسري للمدنيين، وأصبح الموت أو السجن أو الاختفاء ثمناً محتملاً لمجرد وجودهم في المكان الخطأ، في الوقت الخطأ.

الكنابي.. المدنيون الأكثر هشاشة

في ولاية الجزيرة، كانت الكنابي من أكثر المناطق التي دفعت ثمناً باهظاً. عمال وفقراء ومزارعون يعيشون أصلاً على هامش الدولة والخدمات، وجدوا أنفسهم في مرمى حملات أمنية اتهمتهم بالتعاون مع الدعم السريع.

وتتحدث روايات متداولة عن عمليات قتل استهدفت مدنيين في بعض الكنابي، في مشاهد تكشف كيف يمكن لتهمة فضفاضة أن تتحول إلى رخصة للانتقام الجماعي.

فالضحية هنا لا يُسأل فقط: ماذا فعلت؟

بل قد يصبح السؤال: أين كنت؟ ومن تعرف؟ وماذا قلت؟ ولماذا لم تغادر؟

وهي أسئلة، إذا تحولت إلى معيار للإعدام خارج القانون، فإنها لا تنتج عدالة، بل تنتج فوضى انتقامية مغلّفة بشعارات القانون.

سنار.. أسرة كاملة في مواجهة آلة الانتقام

وفي ولاية سنار، برزت واقعة مقتل أسرة كاملة، وفق الروايات المتداولة، ضمت أماً وشقيقتين وشقيقهن، لتضيف فصلاً مأساوياً إلى سجل الانتهاكات التي صاحبت عمليات استعادة السيطرة على مناطق مختلفة.

مثل هذه الوقائع، إن صحت تفاصيلها، لا يمكن التعامل معها باعتبارها «أضراراً جانبية» للحرب.

قتل أسرة مدنية كاملة ليس إجراءً أمنياً، ولا يمكن أن يصبح مقبولاً لمجرد إلباس الضحايا تهمة التعاون.

الدولة التي تحترم القانون تحقق مع المتهم، وتحاكمه إذا ثبتت إدانته، ولا تستبدل المحكمة بالرصاصة.

غرف الطوارئ.. حين تصبح إغاثة المدنيين جريمة

الأكثر إثارة للقلق ما يتصل بالمتطوعين والعاملين في غرف الطوارئ. فهذه المبادرات المدنية ظهرت في قلب الحرب لتوفير الغذاء والدواء وإجلاء المرضى ومساعدة المحاصرين، في وقت انهارت فيه قطاعات واسعة من مؤسسات الدولة.

وتشير روايات وتقارير متداولة إلى مقتل أكثر من 20 متطوعاً من غرف الطوارئ في الخرطوم، وسط اتهامات بأن بعضهم جرى استهدافه بدعوى التعاون مع الدعم السريع.

وهنا تظهر مفارقة سوداء: كيف يتحول تقديم وجبة لمواطن جائع، أو دواء لمريض، أو مساعدة لأسرة محاصرة، إلى جريمة تستحق الموت؟

إذا ثبتت هذه الوقائع، فإنها لا تكشف فقط عن انتهاكات فردية، بل عن خلل عميق في فهم العلاقة بين العمل الإنساني والعمل العسكري.

شاب الجزيرة.. الرأي الذي انتهى في النيل

ومن أكثر القصص تداولاً قصة شاب من ولاية الجزيرة، قال ناشطون إن عناصر مسلحة اعتدوا عليه عقب انسحاب قوات الدعم السريع من المنطقة.

وبحسب روايات شهود ومتداولين، لم يكن الشاب مسلحاً، وكانت مواقفه المعلنة تتركز في رفض استمرار الحرب والدعوة إلى التفاوض، إلى جانب انتقاده انسحاب الجيش من الجزيرة.

وتقول الرواية إنه تعرض للضرب والإهانة، وربط فمه بحبل، قبل أن يُقتاد إلى أحد جسور الخرطوم ويُطلق عليه الرصاص، ثم يُلقى جثمانه في النيل.

إن صحت هذه الرواية، فإنها تختصر المأساة كلها: في زمن الحرب السودانية، قد لا تحتاج إلى حمل السلاح كي تُقتل؛ يكفي أحياناً أن تقول ما لا يريد المسلحون سماعه.

من العدالة إلى التصفية السياسية

المشكلة الأكبر أن هذه الوقائع، إن ثبتت، لا تبدو منفصلة عن سياق سياسي أوسع. فالحرب لم تعد مجرد مواجهة بين قوتين عسكريتين، بل تحولت، في بعض المناطق، إلى فرصة لتصفية الخصومات السياسية والاجتماعية القديمة.

وتتهم قوى سياسية وناشطون عناصر محسوبة على الحركة الإسلامية وكتائب موالية للجيش باستغلال حالة الحرب لملاحقة خصوم سياسيين ونشطاء ومدنيين، خصوصاً ممن ارتبطوا بثورة ديسمبر أو دعوا إلى وقف الحرب والتفاوض.

وهنا تصبح تهمة «التعاون» أداة شديدة الخطورة؛ فهي تمنح غطاءً أمنياً لمطاردة كل صوت معارض، وتضع المدني أمام معادلة عبثية: إما أن تؤيد الحرب، أو تصبح متهماً بها.

وهذا تحديداً ما يجعل مراجعة الملفات خطوة مهمة، لكنها غير كافية.

فالمطلوب ليس فقط إعادة النظر في أوراق المعتقلين، وإنما فتح تحقيق مستقل وشفاف في ظروف الاعتقال، وأماكن الاحتجاز، وعمليات التعذيب والقتل، ومصير المختفين، والجهات التي أصدرت الأوامر ونفذتها.

مراجعة الملفات.. بداية الاعتراف أم محاولة لامتصاص الغضب؟

قرار بورتسودان بمراجعة الملفات يمكن أن يمثل بداية لتصحيح مسار خطير، لكنه يصبح بلا قيمة إذا اقتصر على إعادة تصنيف بعض المتهمين دون محاسبة من تورطوا في الانتهاكات.

فالعدالة لا تعني إطلاق سراح الأبرياء فقط؛ العدالة تعني أيضاً الوصول إلى قتلة الأبرياء.

وإذا كانت الحكومة جادة في مراجعة ملفات «المتعاونين»، فعليها أن تذهب إلى النهاية: محاكمات عادلة، وكشف أماكن المعتقلين، وإطلاق سراح من لا توجد أدلة ضده، وتمكين أسر الضحايا من معرفة مصير أبنائهم، ومحاسبة كل من ارتكب جريمة، أياً كان موقعه أو انتماؤه.

الحرب لا تمنح أحداً حصانة من القانون.

والتهمة السياسية ليست حكماً بالإعدام.

أما تحويل «التعاون» إلى سيف مسلط على رقاب المدنيين، فهو لا يبني دولة ولا يحقق انتصاراً، بل يعيد إنتاج أحد أكثر فصول السودان ظلمة: حين يصبح الانتقام قانوناً، ويصبح الصمت وسيلة للبقاء، ويصبح النيل مقبرة لمن قالوا «لا للحرب».

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.