لم يعد الخطر الذي يهدد المدنيين محصوراً في القصف والرصاص وساحات القتال؛ فثمة حرب أخرى أكثر هدوءاً، لكنها قد تكون أشد فتكاً على المدى البعيد؛ حرب تستهدف الثقة بين مكونات المجتمع، وتضع الانتماء الجغرافي أو الاجتماعي في خانة الاشتباه، وتحول المواطنين من أصحاب حقوق إلى متهمين محتملين.
وفي عدد من المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني، تبرز، وفق معطيات وشهادات متداولة، مخاوف متزايدة من استخدام ما يمكن وصفه بـ«الوصم الجماعي» تجاه مكونات اجتماعية يُنظر إليها باعتبارها حواضن مفترضة للدعم السريع. وإذا صحت هذه الوقائع، فإن الأمر يتجاوز كونه إجراءات أمنية استثنائية إلى مسار بالغ الخطورة؛ لأن العقاب عندما ينتقل من الفرد إلى الجماعة يصبح تهديداً مباشراً للعدالة وللنسيج الاجتماعي معاً.
من الاشتباه إلى الإدانة الجماعية
الأصل في أي دولة تحترم القانون أن المسؤولية الجنائية فردية، وأن الاتهام يحتاج إلى دليل، وأن الانتماء القبلي أو الجهوي أو الجغرافي لا يمكن أن يكون جريمة.
لكن الحرب تدفع المجتمعات أحياناً إلى مناطق خطرة، حيث تتحول الشبهة إلى تهمة، والتهمة إلى حكم مسبق، والحكم المسبق إلى مبرر للاعتقال أو التضييق أو الانتقام.
وهنا تكمن الكارثة.
فالقول إن منطقة ما، أو قبيلة ما، أو مجموعة اجتماعية بعينها تمثل «حاضنة» لطرف من أطراف الحرب، ثم التعامل مع أفرادها على هذا الأساس، يعني عملياً إسقاط مبدأ المواطنة المتساوية، واستبداله بمنطق الولاء والاشتباه.
وفي ولاية النيل الأبيض، التي ظلت تاريخياً مساحة تداخل بين مجموعات سكانية واجتماعية متعددة، فإن انتشار هذا النوع من الخطاب قد تكون له كلفة اجتماعية هائلة. فالنسيج الذي يُمزق اليوم بفعل الخوف والاتهامات لن يكون من السهل ترميمه غداً.
الأمن ليس تفويضاً مفتوحاً للانتهاك
لا خلاف على حق الدولة في ملاحقة المتورطين في الجرائم، أو من يثبت ارتباطهم بأعمال عسكرية أو استخباراتية أو تخريبية. لكن هذا الحق يتوقف عند حدود القانون.
أما تحويل الإجراءات الأمنية إلى مظلة مفتوحة للاعتقال التعسفي أو التعذيب أو الإهانة أو المصادرة أو الانتقام، فلا يمكن تبريره بالحرب، ولا يمكن تغليفه بشعار حماية الأمن القومي.
وتتحدث معطيات وشهادات متداولة عن اعتقالات تفتقر، في بعض الحالات، إلى الضمانات القانونية الأساسية، فضلاً عن مخاوف بشأن تعرض محتجزين لممارسات قاسية بهدف انتزاع اعترافات أو الحصول على معلومات منهم.
والأخطر من ذلك ما يرد من تقارير عن انتهاكات جسدية وحالات قتل خارج نطاق القضاء، يُقال إنها تمت تحت ذرائع أمنية أو استخباراتية.
وهذه اتهامات بالغة الخطورة، تستوجب تحقيقاً مستقلاً وشفافاً، لا الصمت ولا التبرير.
فإذا كان الشخص متهماً، فليُحاكم، وإذا ثبتت إدانته، فليواجه العقوبة وفق القانون. أما أن يصبح الاشتباه حكماً، والسلاح محكمة، والانتماء الاجتماعي قرينة اتهام، فذلك ليس تطبيقاً للقانون، بل انهيار لمنظومة العدالة نفسها.
عندما يتحول الاقتصاد إلى أداة عقاب
الأخطر أن الضغط، وفق ما تثيره إفادات ومخاوف محلية، لا يقف عند حدود الاعتقالات والإجراءات الأمنية، بل يمتد إلى النشاط الاقتصادي وسبل العيش.
فتضييق حركة التجار، وتعطيل الأعمال، ومصادرة الممتلكات أو تجميد الموارد دون إجراءات قانونية واضحة، كلها ممارسات يمكن أن تتحول إلى عقاب جماعي إذا استهدفت أشخاصاً بسبب انتمائهم الاجتماعي، لا بسبب أفعال محددة ارتكبوها.
وهنا تصبح الحرب على المدنيين حرباً على لقمة العيش أيضاً.
فالتاجر الذي يُمنع من ممارسة عمله، وصاحب المشروع الذي تُعطّل مصالحه، والأسرة التي تُحاصر اقتصادياً، قد تجد نفسها أمام خيارين: البقاء في بيئة تشعر فيها بأنها مستهدفة، أو الرحيل بحثاً عن الأمان.
وهذا ما يمكن أن يصنع «نزوحاً قسرياً خفياً» لا يحتاج إلى أوامر مباشرة بالإخلاء؛ يكفي أن تصبح الحياة الطبيعية مستحيلة.
أخطر من الرصاص
قد تنتهي المعارك في يوم من الأيام، لكن آثار الوصم الجماعي لن تنتهي بانتهاء إطلاق النار.
فالذي فقد منزله أو تجارته أو مصدر دخله بسبب انتمائه الاجتماعي، والذي تعرض للإهانة أو الاعتقال أو التعذيب، لن ينسى بسهولة. والأسرة التي فقدت أحد أفرادها في ظروف غامضة لن تتعامل مع الأمر كحادثة عابرة.
وهنا تتحول الحرب من صراع سياسي وعسكري إلى ذاكرة جماعية مثقلة بالغضب والثأر.
وهذا تحديداً ما يجعل الانتهاكات التي تقع أثناء الحروب أخطر من مجرد أرقام في تقارير حقوق الإنسان؛ إنها تزرع بذور نزاعات جديدة داخل المجتمع نفسه.
فماذا سيحدث عندما يلتقي أبناء هذه المكونات بعد سنوات؟ كيف سيُطلب منهم التعايش إذا شعر بعضهم بأن الدولة عاقبته بسبب هويته؟ وكيف يمكن بناء سلام مستدام بينما يحمل المجتمع ذاكرة مليئة بالإقصاء والإذلال والانتقام؟
النيل الأبيض أمام اختبار الدولة
ولاية النيل الأبيض ليست مجرد مساحة جغرافية في خارطة الحرب؛ إنها جزء من النسيج السوداني الأوسع، وأي انزلاق فيها نحو الانتقام الجماعي يمكن أن يفتح الباب أمام نموذج خطير يمتد إلى مناطق أخرى.
ولهذا فإن الصمت عن الانتهاكات، أياً كان مرتكبوها، ليس موقفاً محايداً.
الدولة التي تريد استعادة هيبتها لا تستعيدها بتوسيع دائرة الخوف، ولا بملاحقة جماعات كاملة، ولا بتحويل الأجهزة الأمنية إلى أدوات للعقاب خارج القانون. هيبة الدولة تُبنى عندما يشعر المواطن بأن القانون يحميه، حتى وهو مختلف سياسياً أو اجتماعياً عن السلطة.
أما عندما يصبح المواطن مضطراً إلى إثبات براءته من انتمائه قبل إثبات براءته من جريمة، فإن الدولة تكون قد دخلت منطقة شديدة الخطورة.
لا سلام بلا عدالة
المطلوب اليوم ليس التساهل مع الجرائم أو ترك المتورطين بلا حساب، بل العكس تماماً: المطلوب عدالة حقيقية تطال المسؤول عن الجريمة، لا جماعته؛ وتحاسب الفرد على فعله، لا المجتمع على هويته.
كما أن أي ادعاءات بشأن التعذيب أو القتل خارج القانون أو المصادرة أو الاعتقال التعسفي يجب أن تخضع لتحقيقات مستقلة وشفافة، مع ضمان حق الضحايا في الإنصاف وحق المتهمين في محاكمة عادلة.
فالانتصار العسكري، أياً كان طرفه، لا يمنح أحداً رخصة لانتهاك حقوق المدنيين.
والحرب لا تلغي القانون.
والأمن لا يعني الانتقام.
والانتماء لا يمكن أن يكون جريمة.
البلاد لا تحتاج إلى مزيد من الجدران بين مكوناتها، ولا إلى صناعة أعداء جدد داخل المجتمع الواحد. ما تحتاج إليه هو وقف دائرة الاشتباه الجماعي، وإعادة الاعتبار للقانون، وحماية المدنيين، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في الانتهاكات، أياً كان موقعه أو الجهة التي ينتمي إليها.
لأن أخطر ما يمكن أن تفعله الحرب ليس فقط أن تقتل الإنسان، بل أن تجعل السودانيين ينظرون إلى بعضهم باعتبارهم أعداء دائمين.
وحين يحدث ذلك، فإن المعركة لا تعود على الأرض فقط؛ بل تنتقل إلى داخل المجتمع، وهناك تبدأ الكارثة التي قد تحتاج أجيالاً كاملة للخروج منها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.