الفاشر من حرب البنادق إلى حرب الأقلام.. هل تكتب «التأسيس» معادلة جديدة للشرعية؟
بقلم: محي الدين بلال
ما جرى في مدينة الفاشر يوم 29 أغسطس 2026م لا يمكن اختزاله في مجرد إعلان نتائج امتحانات المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، ولا في نسبة نجاح بلغت 82.4% فقط. فالحدث، إذا قُرئ من زاوية سياسية أوسع، يحمل دلالة تتجاوز قاعات الامتحانات إلى سؤال أكبر: كيف يمكن تحويل واقع الحرب إلى واقع دولة؟
في مدينة أنهكتها الحرب، يصبح جلوس التلميذ على مقعد الدراسة حدثًا يتجاوز معناه التعليمي المباشر. وعودة الامتحانات وإعلان النتائج أمام الأسر والمجتمع يمثلان، في أحد أبعادهما، محاولة لاستعادة إيقاع الحياة الطبيعية، وإعادة تشغيل واحدة من أهم مؤسسات المجتمع: المدرسة.
وهنا تبرز حكومة الوحدة والسلام «التأسيس» ووزارة التربية والتعليم بشمال دارفور باعتبارهما أمام اختبار يتجاوز تنظيم امتحان أو إعلان نتيجة.
فالحكومات لا تُقاس فقط بما تقوله في البيانات السياسية، ولا بعدد المؤتمرات والخطابات، وإنما بقدرتها على تحويل السلطة إلى خدمات، والوعود إلى مؤسسات، والشعارات إلى واقع يلمسه المواطن.
ومن هذه الزاوية، فإن نسبة نجاح تبلغ 82.4% وسط ظروف استثنائية يمكن النظر إليها بوصفها مؤشرًا على قدرة المجتمع على مقاومة آثار الحرب والتمسك بالتعليم، قبل أن تكون شهادة سياسية لأي حكومة.
وهنا تحديدًا ينبغي الانتباه إلى نقطة مهمة: النجاح الحقيقي ليس في إعلان النتيجة، وإنما في القدرة على ضمان استمرار العملية التعليمية.
فالامتحان الذي يُعقد مرة يمكن أن يكون إنجازًا استثنائيًا في زمن الحرب، لكن الدولة تُختبر في اليوم التالي: هل ستفتح المدارس بصورة منتظمة؟ هل سيعود المعلمون؟ هل ستتوفر الكتب والبيئة المدرسية؟ هل سيحصل الأطفال على تعليم مستقر؟ وهل تستطيع المؤسسات الصحية والخدمية والأمنية أن تعمل بالقدر نفسه؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كانت الفاشر أمام مجرد حدث عابر، أم أمام بداية لمسار جديد.
ومن الناحية السياسية، تبدو الفاشر وكأنها تحاول بناء مساحة لإدارة شؤونها المحلية بعيدًا عن منطق انتظار الحلول القادمة من المركز. وإذا استطاعت هذه التجربة أن تتحول إلى إدارة مؤسسية حقيقية، قائمة على الخدمات والمساءلة والمشاركة المجتمعية، فقد تقدم نموذجًا مهمًا في كيفية إدارة المدن المتأثرة بالحرب.
لكن هذا التحول يحتاج إلى أكثر من الخطاب السياسي.
فالشرعية، في نهاية المطاف، لا تُبنى بالسلاح وحده، كما لا تُبنى بالاحتفالات والبيانات وحدها. الشرعية الأكثر رسوخًا هي التي تتشكل عندما يرى المواطن أثر الدولة في حياته اليومية: مدرسة تعمل، مستشفى يستقبل المرضى، شارع آمن، موظف يؤدي عمله، وخدمة عامة تصل إلى مستحقيها.
ومن هنا تصبح نتائج الامتحانات رسالة تتجاوز الطلاب وأسرهم، لكنها في الوقت نفسه ليست شيكًا على بياض لأي سلطة.
إن حكومة «التأسيس» أمام فرصة حقيقية لتحويل هذا الحدث إلى مشروع أكبر: إعادة بناء التعليم، تأهيل المدارس، دعم المعلمين، استعادة الخدمات، وترسيخ مؤسسات الإدارة المحلية، مع فتح المجال أمام المجتمع لمراقبة الأداء وتقييم النتائج.
فإذا كانت الحرب قد جعلت البنادق تتحدث طويلًا في الفاشر، فإن عودة الأقلام إلى أيدي الأطفال تحمل معنى مختلفًا تمامًا.
البندقية قد تفرض واقعًا، لكنها لا تستطيع وحدها بناء مستقبل.
أما القلم، حين يجد مدرسةً مفتوحة ومعلّمًا حاضرًا ومؤسسةً تحمي حق الطفل في التعليم، فإنه يصبح جزءًا من عملية بناء الدولة.
ولهذا فإن نسبة النجاح البالغة 82.4% ينبغي ألا تكون نهاية القصة، بل بدايتها.
السؤال الحقيقي الذي ينتظر «التأسيس» ليس: هل نجح التلاميذ؟
لقد نجحوا.
السؤال الأصعب هو: هل تنجح السلطة في بناء نظام تعليمي ومؤسسات عامة قادرة على الاستمرار بعد انتهاء الاحتفال؟
هناك فقط يمكن أن تتحول نتائج الامتحانات من مناسبة تعليمية إلى مؤشر على بداية استعادة الدولة.
الفاشر لا تحتفل اليوم بنتيجة امتحان فحسب؛ إنها تحاول استعادة جزء من الحياة التي انتزعتها الحرب.
وبينما كانت البنادق تكتب فصول الأمس، تملك الأقلام فرصة لكتابة فصل جديد.
لكن الفصل الجديد لن يُكتب بالشعارات وحدها، وإنما بالمدرسة والمستشفى والخدمة العامة والقانون والمساءلة.
وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي لحكومة «التأسيس»: هل تستطيع أن تجعل من بداية التعليم بدايةً لبناء الدولة؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.