بين عسكر القصر ونخب العاصمة: من حوّل «الديمقراطية» إلى لعنة في وعي السودانيين؟
بقلم: يوسف عزالدين
إن تشويه مفاهيم الديمقراطية في وعي الشعب السوداني لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتاج عقود من التضليل الممنهج والتجارب السياسية المشوهة، التي حولت المفاهيم الإنسانية من أدوات للبناء والاستقرار إلى مفاهيم مرتبطة بالفوضى والصراع.
ولابد من أن نعرف كيف شُوّهت الديمقراطية في السودان، وما أثر الأنظمة الشمولية والديكتاتوريات العسكرية المتعاقبة في تغيير المفاهيم السياسية وترسيخ صورة سلبية عن الممارسة الديمقراطية.
تتحمل الانقلابات العسكرية المتعاقبة، بالتواطؤ والتنسيق مع أحزاب وقوى سياسية وأيديولوجية، المسؤولية الأساسية عن تقويض وتشويه مسار الديمقراطية في السودان، وفي أذهان السودانيين، من مثقفين وعوام ورجال دين، منذ الاستقلال عام 1956.
وقد تجلى هذا التشويه عبر ثلاث حقب رئيسية عطلت التداول السلمي للسلطة، من خلال الانقلابات العسكرية المباشرة.
إبراهيم عبود (1958-1964): قاد أول انقلاب عسكري أطاح بالديمقراطية الأولى وعطّل مسارها.
جعفر نميري (1969-1985): قاد انقلاب «مايو» بدعم من قوى يسارية وقومية، وأسس لنظام سلطوي قمع الحريات المدنية، وانتهى لاحقًا إلى نظام الحزب الواحد.
عمر البشير (1989-2019): قاد انقلاب «الإنقاذ» بتخطيط من الجبهة الإسلامية القومية بقيادة حسن الترابي، وأطاح بالديمقراطية الثالثة المنتخبة. وشوّه الانقلاب الممارسة السياسية عبر إقصاء المعارضين، وتأسيس دولة التمكين، وتأجيج الحروب الأهلية.
كما لا يمكن تجاهل إخفاقات وصراعات الأحزاب المدنية، والانتهازية السياسية التي دفعت قوى سياسية تقليدية وعقائدية، في مراحل مختلفة، إلى الاستعانة بالجيش لحسم صراعاتها الحزبية أو لإقصاء خصومها.
وكان آخر الانقلابات التي قوضت مسار الانتقال الديمقراطي هو انقلاب المكوّن العسكري في 25 أكتوبر 2021، بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، والذي أسهم في دفع البلاد نحو كارثة سياسية وإنسانية شاملة، وصولًا إلى اندلاع الحرب في أبريل 2023.
وقد رسّخ التشويه الناتج عن الممارسات السلبية طوال الفترات السابقة في أذهان كثيرين صورةً للديمقراطية باعتبارها «صراع كراسي» بين نخب معزولة لا تهتم بمعاش الناس.
وتعزز هذا التشويه عبر بعض المناهج والخطابات الدينية، والإعلام الرسمي، وممارسات سياسية واجتماعية دأبت على شيطنة العمل الحزبي والمدني، وربط الحرية بالانفلات الأخلاقي والأمني.
ومن هنا، يتوجب توضيح الحقائق وتبيان القيم الجوهرية للديمقراطية، وفي مقدمتها المواطنة، وحقوق الإنسان، وسيادة القانون، والتداول السلمي للسلطة، والمساواة أمام القانون.
كما أن الفهم السطحي للديمقراطية جعلها تبدو، في نظر البعض، كآلية تتيح للأغلبية العددية سحق الأقليات، بينما الديمقراطية في جوهرها لا تقوم على حكم الأغلبية فقط، وإنما على حماية حقوق جميع المواطنين وضمان الحريات الأساسية وسيادة القانون.
ومع اتساع جبهة المنادين بالديمقراطية لتشمل قوى حية ومتنوعة، يبرز الشباب والجيل الواعي في مقدمة هذه القوى، خاصة الذين قادوا ثورة التصحيح والوعي، بالتضامن مع الأجسام المهنية المستقلة، إلى جانب الأحزاب السياسية الوطنية ومنظمات المجتمع المدني والحركات المطلبية في أقاليم السودان المختلفة، التي عانت من التهميش.
ويرى هؤلاء في الديمقراطية المخرج الوحيد من معادلة عدم الاستقرار، والمدخل إلى تحقيق التنمية، وسلاحًا لإنهاء الحروب الأهلية عبر توزيع عادل للسلطة والثروة، وبناء دولة تقوم على المواطنة وسيادة القانون.
فالديمقراطية تقوم على تأسيس عقد اجتماعي جديد يعترف بالمواطنة أساسًا وحيدًا للحقوق والواجبات، ويضمن المساواة بين السودانيين دون تمييز.
كما يتطلب بناء الدولة الديمقراطية تأسيس جيش مهني وقومي واحد، ينأى تمامًا عن السياسة، ويبتعد عن النشاط الاقتصادي ومصادر النفوذ، ليكون مؤسسة وطنية تعمل تحت سلطة مدنية منتخبة، وتحمي الدولة والدستور، لا طرفًا في الصراع السياسي.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.