دخلت حرب السودان مرحلة شديدة الخطورة مع ما نشرته صحيفتا «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» من تحقيقات مدعومة بوثائق وصور ومقاطع فيديو ورسائل وشهادات تتحدث عن برنامج سري لإنتاج وتخزين ذخائر محملة بغاز الكلور واستخدامها في الحرب، وتضع هذه التقارير الجيش أمام اتهام مباشر بإنتاج سلاح كيميائي محظور وتخزينه واستخدامه، مع الإشارة إلى البرهان في سياق هذه الوقائع. وتورد «واشنطن بوست» اتصالات بين مسؤولين مرتبطين بالبرنامج والبرهان، كما تشير إلى رسالة نُسبت إلى أحد المسؤولين عن البرنامج تفيد بإبلاغ البرهان بإزالة آثار وبقايا من قاعدة عسكرية مرتبطة بتخزين الأسلحة. كما تتحدث التقارير عن تحويل أسطوانات كلور مخصصة لتنقية مياه الشرب من الهند إلى جدة إلى السودان، وصلت عبر برامج أممية ومنظمات إغاثة دولية، إلى استخدام عسكري. وهذه الاتهامات، إذا أثبتها التحقيق المستقل، تعني ارتكاب انتهاك بالغ الخطورة للقانون الدولي الإنساني واتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، وتفرض مساءلة كل من شارك في التخطيط والإنتاج والتخزين والاستخدام والتستر.
المسألة هنا تتجاوز الخلاف السياسي بين أطراف الحرب، فاستخدام الأسلحة الكيميائية يمس حياة المدنيين مباشرة، ويضرب إحدى أهم قواعد حماية الإنسان أثناء النزاعات، والأشد خطورة أن مادة وصلت إلى السودان بهدف تنقية مياه الشرب وحماية المدنيين يمكن أن تكون قد تحولت إلى أداة عسكرية. وهذه الواقعة، إذا ثبتت، تكشف كيف وصلت الحرب إلى مستوى تُستغل فيه حتى المواد الإنسانية لخدمة العمليات العسكرية، وتطرح مسؤولية مباشرة عن طريقة إدارة الحرب ومنظومة القرار داخل الجيش. والاتهامات المتعلقة بالبرنامج وبعلم البرهان تستوجب تحقيقًا مستقلًا يحدد الوقائع والمسؤوليات وفق الأدلة، بعيدًا عن البيانات السياسية وحملات النفي.
المطلوب الآن تحقيق فني مستقل وشفاف تقوده الجهات الدولية المختصة، وعلى رأسها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، مع ضمان الوصول إلى المواقع والوثائق والعينات والشهود، وتتبع سلسلة المسؤولية كاملة. ومن يرى أن هذه الاتهامات باطلة، أمامه طريق واضح لإثبات ذلك عبر فتح المجال للتحقيق، فمهاجمة الصحافة أو التشكيك في دوافعها لا يجيب عن الأسئلة التي فرضتها الوثائق والشهادات. كما أن الحديث عن السيادة الوطنية لا يمكن أن يتحول إلى حصانة للجيش أو البرهان من المساءلة، فالسيادة تحمي الدولة وحقوق مواطنيها، ولا تحمي من تثبت مسؤوليته عن جريمة دولية. وإذا أثبت التحقيق علم البرهان أو مشاركته أو مسؤوليته وفق الأدلة، فيجب أن يخضع للمحاسبة القانونية، شأنه شأن أي مسؤول تثبت مسؤوليته.
إن الحرب التي بدأت في 15 أبريل 2023م أوقعت السودانيين في دائرة واسعة من القتل والنزوح والتجويع وتدمير المستشفيات والمدارس والبنية التحتية، وإذا ثبت استخدام السلاح الكيميائي، فإن البلاد تكون أمام واحدة من أخطر حلقات هذه الحرب. لذلك يجب أن تكون الرسالة واضحة: لا حصانة للسلطة العسكرية، ولا حماية للمتورطين، ولا دفن للحقائق تحت عنوان السلام. فالسودان يحتاج إلى وقف الحرب وحماية المدنيين، ويحتاج في الوقت نفسه إلى الحقيقة والعدالة والمساءلة. فالسلام الذي يُبنى على إخفاء الجرائم يعيد إنتاج أسباب الحرب، والعدالة تضع حدًا لمنطق الإفلات من العقاب. البرهان ليس فوق القانون، والجيش ليس فوق المساءلة، والسودان أكبر من أي قائد وأي سلطة عسكرية.
والأخطر أن ملف الكيماوي سيتحول من قضية انتهاك ميداني إلى مدخل لتفكيك منظومة الحرب نفسها، فكلما تقدمت التحقيقات ستنتقل الأسئلة من مواقع الاستخدام إلى سلاسل الاستيراد والتخزين والنقل والتجهيز، ثم إلى أوامر العمليات والطلعات الجوية والتمويل والوسطاء والشركات والجهات الخارجية التي وفرت المواد أو التقنيات، وصولًا إلى دائرة القيادة التي امتلكت سلطة القرار. وعند هذه النقطة ستتجاوز الكلفة العقوبات المباشرة لتطال شرعية سلطة بورتسودان، وعلاقاتها المصرفية والتجارية، وقدرة حلفائها على التعامل معها، وفرص حكومة كامل إدريس في استعادة التمويل والاعتراف الدولي. لذلك فإن فتح المواقع والسجلات أمام تحقيق مستقل أصبح اختبارًا لصدقية الدولة نفسها، فكل وثيقة تُكشف قد تغلق بابًا أمام الاتهام، وكل سجل يُحجب يفتح سؤالًا جديدًا حول ما تخشى منظومة الحرب ظهوره.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.