كهرباء السودان تنهار.. 75% تراجعاً وهجرة الكفاءات تعمّق العتمة

نورا عثمان

 

لم تعد أزمة الكهرباء في السودان مجرد مشكلة في ساعات الإضاءة أو تعطل الأجهزة المنزلية. إنها واحدة من أكثر صور الانهيار وضوحاً في بلد أنهكته الحرب، حيث تراجع إنتاج الكهرباء إلى نحو 1,100 ميغاواط، مقارنة بنحو 4,400 ميغاواط قبل اندلاع النزاع المسلح في أبريل 2023، أي انخفاض يقارب 75%.

وفي مناطق عدة، تحولت الكهرباء إلى خدمة استثنائية، بعدما وصلت ساعات القطع إلى نحو 16 ساعة يومياً، تاركة ملايين السودانيين أمام يوم طويل من الظلام، ومرافق عامة عاجزة عن أداء وظائفها، واقتصاد يزداد اختناقاً.

منذ اندلاع الحرب، تعرضت البنية التحتية للطاقة لضغوط هائلة. فمحطات التوليد وشبكات النقل والتوزيع تحتاج إلى صيانة مستمرة وقطع غيار ووقود وفرق فنية متخصصة، وهي كلها عناصر أصبحت أكثر صعوبة في ظل النزاع وانقطاع طرق الإمداد.

والأزمة لا تتعلق فقط بانخفاض قدرة التوليد، وإنما أيضاً بقدرة الشبكة على نقل الكهرباء وتوزيعها بصورة مستقرة.

فحتى عندما تتوافر كمية من الطاقة المنتجة، فإن الأعطال والأضرار التي لحقت بالشبكات والمحطات تجعل وصولها إلى المستهلكين تحدياً آخر.

وهكذا أصبحت المنظومة تعاني من أزمة مركبة: إنتاج أقل، وشبكات أكثر هشاشة، ووقود أصعب وصولاً، وصيانة أكثر تعقيداً. عندما تنقطع الكهرباء لمدة 16 ساعة في اليوم، لا يعود الأمر مجرد إزعاج منزلي. المستشفيات تحتاج إلى مولدات ووقود بصورة مستمرة، ومحطات المياه تعتمد على الطاقة لتشغيل المضخات، والمخابز والأسواق والمصانع تحتاج إلى الكهرباء للحفاظ على الإنتاج، بينما تواجه الأسر أعباء إضافية لتوفير الوقود ومصادر بديلة للطاقة. وفي المدن التي تعاني أصلاً من ارتفاع الأسعار، تصبح تكلفة انقطاع الكهرباء جزءاً غير مرئي من تكلفة المعيشة.

فالمواطن الذي لا يجد الكهرباء يلجأ إلى المولدات أو الطاقة الشمسية أو شراء الوقود، وكل ذلك يعني إنفاقاً إضافياً في وقت تتآكل فيه القدرة الشرائية للأسر.

لكن ثمة جانباً آخر للأزمة لا يظهر في أرقام الميغاواط: هجرة الكفاءات.

قطاع الكهرباء يعتمد على مهندسين وفنيين وعمال ذوي خبرة تراكمية في تشغيل محطات التوليد وشبكات النقل والتوزيع وإجراء الصيانة ومعالجة الأعطال.

ومع استمرار الحرب، غادر كثير من السودانيين البلاد أو انتقلوا إلى مناطق أكثر أمناً، فيما فقد القطاع جزءاً من كوادره نتيجة ظروف الحرب والنزوح وتدهور بيئة العمل.

فالمحطة يمكن إعادة تأهيلها، والشبكة يمكن إصلاحها، لكن بناء خبير في أنظمة الطاقة يحتاج إلى سنوات. ولهذا فإن استمرار هجرة الكفاءات قد يجعل عملية إعادة بناء قطاع الكهرباء بعد الحرب أكثر تكلفة وتعقيداً، حتى إذا توقفت المعارك غداً.

في ظل ضعف الشبكة العامة، توسعت الحاجة إلى المولدات ومصادر الطاقة البديلة، لكن هذه الحلول ليست مجانية.

المولد يحتاج إلى وقود وصيانة وقطع غيار، والوقود نفسه يعاني من ارتفاع الأسعار وصعوبة النقل. أما الطاقة الشمسية، فعلى الرغم من كونها خياراً واعداً للسودان، فإن تكاليف تجهيز الأنظمة المنزلية والتجارية تظل مرتفعة بالنسبة إلى كثير من الأسر.

انقطاع الكهرباء يؤدي إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج ارتفاع تكلفة الإنتاج ينعكس على أسعار السلع والخدمات ارتفاع الأسعار يقلل القدرة الشرائية تراجع الطلب يضعف النشاط الاقتصادي ضعف الاقتصاد يقلل القدرة على إعادة تأهيل قطاع الطاقة.

المشكلة أن إعادة الكهرباء إلى مستويات ما قبل الحرب لن تكون مجرد مسألة إعادة تشغيل محطات. السودان سيحتاج إلى خطة واسعة لإعادة تأهيل محطات التوليد وشبكات النقل والتوزيع، وتوفير الوقود وقطع الغيار، وإعادة تدريب واستقطاب الكفاءات، وضمان حماية منشآت الطاقة من الاستهداف والتخريب.

والأهم من ذلك أن إعادة بناء القطاع يجب ألا تكون مشروعاً مؤقتاً لإطفاء الحرائق، بل فرصة لإعادة هيكلة منظومة الطاقة بالكامل، وتنويع مصادر التوليد والاستثمار بصورة أكبر في الطاقة الشمسية، مستفيدين من الإمكانات الطبيعية الهائلة التي يمتلكها السودان.

حين يخسر السودان نحو ثلاثة أرباع قدرته السابقة على إنتاج الكهرباء، ويقضي المواطن ساعات طويلة من يومه في الظلام، فإن القضية لم تعد قضية خدمات فقط.

إنها قضية اقتصاد، وصحة، وتعليم، ومياه، وإنتاج، وأمن غذائي، ومستقبل دولة بأكملها. والأخطر أن استمرار الحرب لا يستهلك المعدات وحدها؛ بل يستهلك الخبرة البشرية التي ستحتاج إليها البلاد لإعادة تشغيل ما تبقى وإعادة بناء ما دُمر.

السودان يحتاج إلى إعادة بناء الدولة التي تستطيع أن تنتج الكهرباء، وتحمي شبكاتها، وتحافظ على مهندسيها، وتمنح مواطنيها حقهم الطبيعي في الحياة دون مولدات ودون انتظار ساعات طويلة لعودة النور. فالظلام الذي يعيشه السودانيون اليوم ليس ظلام الكهرباء وحدها؛ إنه انعكاس مباشر لظلام الحرب وانهيار مؤسسات الدولة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.