مكالمات البرهان المسرّبة.. هل تحاول الحركة الإسلامية قطع الطريق..؟

تيسير المبارك

 

لم تعد التسريبات المنسوبة إلى قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مجرد مادة للاستهلاك الإعلامي أو سجال جديد بين أطراف الحرب. فظهور مكالمات ورسائل يُقال إنها تعكس مواقف البرهان من الحرب والهدنة والتفاوض يفتح الباب أمام سؤال أكثر أهمية: من يقف وراء هذه التسريبات؟ ولماذا تظهر في هذا التوقيت تحديداً؟ توقيت ومضمون التسريبات يستحقان قراءة سياسية مختلفة. فالسؤال ليس فقط: ماذا قال البرهان؟ وإنما أيضاً: من المستفيد من إظهاره بهذا الشكل، ومن يريد استخدام التسريب للتأثير في قراراته أو محاصرته سياسياً؟ هناك قراءة سياسية متداولة داخل الأوساط السودانية ترى أن بعض دوائر الحركة الإسلامية والتيارات المتشددة داخل معسكر الجيش قد تكون معنية بإبقاء البرهان داخل مربع الحرب، وأن تسريب أي حديث منسوب إليه عن الهدنة أو وقف القتال يمكن أن يكون وسيلة لإحراجه ومنع أي مساحة للمناورة السياسية أمامه.

في الحروب الطويلة، لا تُستخدم المعلومات فقط ضد الخصم؛ أحياناً تصبح المعلومات نفسها سلاحاً داخل المعسكر الواحد. فإذا كان قائد عسكري يفكر في قبول هدنة أو الدخول في مفاوضات، فإن تسريب حديث منسوب إليه يمكن أن يحوله إلى متهم بالتراجع أو «الاستسلام»، ويضع أمامه كلفة سياسية وعسكرية لأي خطوة باتجاه وقف الحرب. وهنا تحديداً تكمن خطورة التسريبات. فالقائد الذي يعرف أن أي حديث خاص يمكن أن يظهر في الإعلام في اليوم التالي، سيصبح أكثر حذراً في التواصل، وأكثر تردداً في إرسال إشارات إيجابية بشأن التفاوض، وربما أكثر تمسكاً بالخطاب المتشدد، حتى لا يتحول إلى هدف لحملة داخلية تتهمه بالتفريط في «النصر». وهكذا يمكن للتسريب، بصرف النظر عن الجهة التي تقف وراءه، أن يؤدي وظيفة سياسية واضحة: تضييق هامش الحركة أمام البرهان.

لا يمكن تحليل الحرب السودانية من دون النظر إلى مصالح القوى السياسية والعسكرية التي أعادت بناء نفوذها داخل مؤسسات الدولة خلال الحرب. فالحركة الإسلامية السودانية ليست مجرد طرف أيديولوجي يراقب المشهد من الخارج؛ فقد ارتبط اسمها تاريخياً بمؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية والعسكرية، كما أن شخصيات محسوبة على التيار الإسلامي ظلت حاضرة في المشهد السياسي والعسكري منذ اندلاع الحرب. ومع ذلك، فإن السؤال المشروع هو: هل توجد داخل منظومة السلطة في بورتسودان مراكز قوى يمكن أن تتضرر من أي هدنة أو تسوية؟ الإجابة المنطقية هي نعم. فالحرب صنعت مصالح جديدة، وأعادت توزيع النفوذ، ورفعت من أهمية القوى المسلحة والأمنية، وخلقت اقتصاد حرب يستفيد منه أفراد وشبكات مختلفة. وبالتالي فإن وقف الحرب لا يعني نهاية المعاناة الإنسانية فقط، وإنما يعني أيضاً إعادة ترتيب موازين القوة داخل الدولة. وهذا ما يجعل الصراع على قرار الحرب والسلام أكثر تعقيداً من مجرد قرار يصدره شخص واحد.

البرهان نفسه يجد نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد. فمن جهة، هناك ضغوط دولية وإقليمية متزايدة باتجاه وقف القتال والوصول إلى تسوية سياسية. ومن جهة أخرى، هناك تيارات داخل معسكره ترى أن أي تفاوض قبل تحقيق مكاسب عسكرية كبيرة يمثل تراجعاً، وربما تهديداً لمستقبلها السياسي. وبين الطرفين يقف البرهان. إذا اتجه إلى الهدنة، يستطيع خصومه داخل المعسكر اتهامه بالتنازل. وإذا واصل الحرب بلا أفق سياسي، فإن تكلفة ذلك ستتراكم على الجيش والدولة والمجتمع السوداني. لذلك فإن أي تسريب لموقف متردد أو رسالة تشير إلى الاستعداد للتفاوض يمكن أن يستخدم لإضعافه من الداخل قبل أن يستخدمه الخصوم من الخارج.

أخطر ما أنتجته الحرب السودانية ليس فقط الدمار، وإنما تحويل المواقف السياسية إلى اختبارات للولاء والخيانة. فالذي يطالب بالسلام يُتهم أحياناً بأنه خائن. والذي يطالب بالهدنة يُتهم بأنه يريد إنقاذ خصمه. والذي ينتقد استمرار الحرب يُتهم بأنه يعمل ضد الجيش. وهذه اللغة ليست بريئة؛ لأنها تغلق المجال أمام أي نقاش عقلاني حول كيفية إنهاء الحرب. وإذا كانت هناك فعلاً جهات تريد منع البرهان من الذهاب إلى الهدنة، فإن أفضل سلاح لها ليس بالضرورة القوة العسكرية، وإنما خلق بيئة سياسية تجعل الهدنة مرادفاً للاستسلام. عندها يصبح القائد محاصراً بخطابه نفسه.

في النهاية، إذا كانت هناك بالفعل محاولات لمنع أي اتجاه نحو الهدنة عبر التسريبات والضغوط والحملات التخوينية، فإن ذلك يكشف أزمة أكبر من الخلاف حول البرهان. إنه يعني أن قرار استمرار الحرب قد يتحول من قرار عسكري إلى مشروع سياسي تحرسه مصالح جماعات تخشى السلام أكثر مما تخشى الحرب. لكن السودان ليس ملكاً للحركة الإسلامية، ولا للجيش، ولا للدعم السريع، ولا لأي حزب أو جماعة مسلحة. السودان ملك للسودانيين الذين يدفعون اليوم ثمن الحرب من دمائهم وبيوتهم وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.