من أكثر محاولات التملص من المسؤولية فجاجة أن يحاول البرهان، القائد العام للقوات المسلحة، اليوم تقديم رواية تختزل مسؤولية نشأة الدعم السريع وتطوره في عمر البشير وحده، محاولا تبرئة نفسه والجيش، رغم أنه كان جزءا من المؤسسة العسكرية وتعامل مع هذه القوة في مراحل مختلفة.
قبل أيام، وفي لقاء له مع عدد من الصحفيين، قال البرهان إن عبد الرحيم محمد حسين وعوض بن عوف نبها البشير إلى خطورة الدعم السريع ورفضا تبعيته للقوات المسلحة، بينما قال البشير، بحسب رواية البرهان: “أنا خاتيهم في جيبي”.
وقال أيضا إن الفريق محمد عطا قبل لاحقا بضم الدعم السريع إلى جهاز الأمن الوطني، وإن حكومة البشير كانت تتجه إلى جعل الدعم السريع “عمود القوات المسلحة”، وتقليص الجيش إلى خمس قيادات فقط.
لكن المشكلة في هذه الرواية أنها تختزل تاريخا معقدا في شخص واحد، وتحاول إبعاد المؤسسة العسكرية التي كان البرهان نفسه جزءا منها عن مسؤوليتها في التعامل مع هذه القوات ورعايتها واستخدامها.
صحيح أن البرهان ليس صاحب فكرة إنشاء الدعم السريع ولا صاحب القرار الأول بإنشائه، لكن ذلك لا يعني أنه كان خارج دائرة المسؤولية عن التعامل معه في المراحل اللاحقة. كما أن فكرة استخدام القوات غير النظامية وتوسيع التعبئة العسكرية أقدم من الدعم السريع نفسه، وترتبط برؤية سياسية أوسع تبنتها الحركة الإسلامية في السودان. وما الدعم السريع إلا نموذج لعسكرة المجتمع، فقد سبقه عدد من الجيوش والمليشيات التي تخلص الجيش من بعضها وما زال يحتفظ بأخرى حتى هذه اللحظة، هذا غير القوى التي تكونت بعد الدعم السريع والتي تتكون كل يوم.
وقد عبر حسن الترابي عن هذه الرؤية في برنامج “شاهد على العصر”، عندما تحدث عن رفض مفهوم الجيش المهني والدعوة إلى جيش شعبي يستدعى عند الحاجة، قائلا: “في الإسلام لا يوجد ما يسمى بالجيش المهني”، ومؤكدا أن الجيش ينبغي أن يكون شعبيا ويستدعى عند الحاجة.
ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن حكومة البشير لم تكن تتجه فقط إلى إضعاف مفهوم الجيش المهني الواحد، بل إلى توسيع دائرة التعبئة العسكرية وتحويل المجتمع إلى قوة يمكن استدعاؤها عند الحاجة، حسب سياسة الحركة الإسلامية.
ولهذا يصعب اختزال الموقف في أن قادة الجيش كانوا جميعا يحذرون البشير من الدعم السريع ثم وقفوا عاجزين أمامه. فقد كان الدعم السريع يؤدي أدوارا عسكرية وأمنية مهمة، ويخفف عن الجيش أعباء كبيرة، وأصبح قوة مسلحة تؤدي أدوارا كان يفترض أن تقوم بها مؤسسات الدولة النظامية. وهذا ساعد في تنامي اهتمامات الجيش الاقتصادية واختراق المجال المدني، حيث توسع قادة الجيش في تأسيس استثمارات وشركات ومؤسسات تعمل في قطاعات اقتصادية مختلفة، بما جعل المؤسسة العسكرية لاعبا اقتصاديا وسياسيا يتجاوز دورها العسكري التقليدي.
ولم يكن الدعم السريع في تلك المرحلة قوة مجهولة أو هامشية بالنسبة إلى الدولة أو المؤسسة العسكرية، بل كان جزءا من منظومة السلطة. واستمر التعامل معه والحفاظ على دوره إلى أن تغيرت موازين المصالح، فتحولت العلاقة تدريجيا من الشراكة إلى الصراع.
والبرهان نفسه، بعد أن أصبح قائدا للجيش ورئيسا للمجلس العسكري، لم يتعامل مع الدعم السريع باعتباره قوة يجب إلغاؤها فورا بناء على تحذيرات قادة الجيش التي ذكرها، بل تعامل معه باعتباره أحد مكونات الترتيبات العسكرية التي ينبغي إعادة تنظيمها لدرجة أنه رفض المنصب مالم يكن قائد الدعم السريع معه وذهب إليه بنفسه واقنعه لانه كان رافضا باعترافه هو ، ثم تولى الدفاع عن الدعم السريع باستماتة ورفض النقد الذي يوجه له بل وانكر إحتمال المواجهة تماما ما يعني أن موقفه نفس موقف عمر البشير، وفي مواقف لاحقة، أكد أن الدعم السريع يعمل ضمن المنظومة العسكرية، وكان يبدو مقتنعا بأن دمجه في القوات المسلحة جزء أساسي من إصلاح القطاع الأمني والعسكري.
وهذا مهم، لأن البرهان نفسه دعم المسار الذي كان يهدف إلى دمج الدعم السريع في جيش واحد أثناء الفترة الانتقالية، ثم أصبح الخلاف حول كيفية تنفيذ الدمج وتوقيته أحد المحاور الأساسية للصراع الذي أدى إلى اندلاع الحرب، لأن البرهان انصاع لأوامر الحركة الإسلامية المستفيد الحصري من صناعة الجيوش والمليشيات ولم ينصع إلى كلمته ولا ضميره ولا إلى مصلحة الشعب والوطن.
وهنا يظهر جوهر التناقض: الرجل الذي كان يتحدث في مراحل سابقة عن الدعم السريع باعتباره جزءا من المنظومة العسكرية، يأتي اليوم برواية تضع مسؤولية نشأته وتطوره بصورة أساسية على عاتق عمر البشير وحده وكانه لا يمثل المؤسسة العسكرية .
وهنا تأتي الأسئلة المشروعة: كيف يمكن لرواية اليوم أن تمحو ما حدث بالأمس؟ وكيف يمكن أن تختفي التصريحات والمواقف واللقاءات المسجلة لمجرد أن المصلحة السياسية تغيرت؟
هذه الأسئلة لا تهدف إلى تبرئة الدعم السريع، وإنما إلى رفض إعادة كتابة التاريخ من طرف واحد. فصناعة الجيوش والقوى المسلحة الموازية ليست مجرد خطأ سياسي عابر، بل سياسة لها نتائج خطيرة على الدولة والمجتمع، ويجب الاعتراف بها ومعالجتها بدلا من الهروب منها.
والأكثر إثارة للقلق أن تجربة الدعم السريع لم تمنع السلطة العسكرية، تحت قيادة البرهان نفسه، من تكرار سياسة الاستعانة بقوى مسلحة أخرى خلال الحرب الحالية. وكأن الدرس لم يكن في خطورة صناعة القوى الموازية، وإنما في استبدال قوة مسلحة بأخرى، ثم انتظار اللحظة التي تتحول فيها القوة الجديدة إلى مشكلة أخرى. وهنا تسقط سردية البرهان لتبرئة الجيش من مسؤولية الدعم السريع تماما.
لذلك لا ينبغي أن تتوقف قراءة موقف البرهان من الدعم السريع عند سؤال: هل كان البشير هو الذي أنشأ الدعم السريع؟ لأن الأسئلة الأهم هي: من حافظ عليه؟ من وسع دوره؟ من دافع عنه؟ ومن منحه شرعية سياسية وعسكرية بعد سقوط النظام؟ ومن فضل الحرب وإحراق السودان على الحل السلمي وإنقاذ البلد من الدمار ؟
هذه الأسئلة لا تعني تجاهل مسؤولية أي طرف عن الجرائم التي ارتكبت خلال الحرب، لكنها تعني أن قراءة تاريخ الدعم السريع يجب أن تشمل كل من ساهم في صناعة الجيوش التي أوصلت السودان إلى هذه الكارثة، لا أن يعاد ترتيب الماضي بما يتناسب مع مواقف أصحاب المصلحة من الحرب.
لذلك لا يمكن التعامل مع البرهان بوصفه شاهدا محايدا على تاريخ الدعم السريع. فهو كان جزءا من المؤسسة العسكرية التي تعاملت مع هذه القوة قبل سقوط البشير وبعده، ثم شارك لاحقا مع الحكومة المدنية في مشروع دمجها داخل القوات المسلحة، وهو المشروع الذي قال هو نفسه إنه لا يوجد حل غيره،وهو نفسه يستعين اليوم بجيوش ومليشيات موازية.
ونقول للبرهان إن المسؤولية عن الدعم لا يمكنك إنكارها أو تبرئة الجيش منها، والشجاعة والوطنية ليستا في إعادة كتابة أخطاء الماضي بروايات جديدة، ولا في إنكار الحقائق أو تبريرها أو الخروج منها باستعطاف الناس، بل في الاعتراف بها وتحمل المسؤولية بشجاعة ومعالجة الاخطاء. فهذا هو الطريق الوحيد لكتابة تاريخ جديد للسودان.
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.