لم تعد المسألة في السودان مجرد نزاع سياسي بين طرفين، ولا صراع نفوذ يُدار على طاولة التفاوض، بل تحولت إلى مأساة إنسانية طاحنة تُلتهم فيها أمة بكملها جهاراً نهاراً. أينما وجهت بصرك في مدن السودان وقراه، لا ترى إلا صوراً مكررة للخراب: عائلات نزحت مراراً وتكراراً بحثاً عن أمان مفقود، مستشفيات خرجت عن الخدمة، ومدارس تحولت إلى ملاجئ أو أثر بعد عين.
لقد دفعت الحرب الشعب السوداني إلى هاوية غير مسبوقة؛ إذ بات المواطن البسيط، الذي لا ناقة له في هذه المعركة ولا جمل، يواجه شبح الجوع والفقر وانهيار الخدمات الأساسية بشكل يومي. إنه لوجع يدمي القلوب أن يتحول بلد كان يُوصف بـ “سلة غذاء العالم” إلى أرض يطارد فيها الجوع ملايين الأطفال والنساء، وسط صمت دولي وتجاهل يعكسان قسوة العالم المعاصر.
إن الاستمرار في لغة البنادق والرهان على القوة العسكرية للسيطرة أو الحسم ليس سوى وهم؛ فالخاسر الوحيد في هذه الدوامة هو الوطن ومستقبل أبنائه. لم تكن الحروب يوماً حلاً للنزاعات، بل هي أصل كل الخراب الذي يستنزف طاقات الشعوب ويدمر بؤر الحياة فيها.
من هنا، وأمام هذه الكارثة الأخلاقية والإنسانية، لم يعد هناك مجال للمواربة أو المساومة: أوقفوا هذه الحرب فوراً.
إن الواجب الوطني والأخلاقي يتطلب من كافة القوى الفاعلة الاستماع لغة العقل والضمير، وإعلاء صوت الحكمة، وإفساد المجال أمام السلاح عبر العودة إلى الحوار وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية دون قيد أو شرط. يجب أن تتوقف المدافع، ليس فقط لإتاحة الفرصة للإغاثة، بل لإنقاذ ما تبقى من النسيج الاجتماعي والأمل في غدٍ يستحقه الشعب السوداني الصابر.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.