تأشيرة البرهان معلقة.. واشنطن تضع قائد الجيش أمام مأزق دبلوماسي

تقرير: عين الحقيقة

 

فتحت أزمة تأشيرة دخول رئيس مجلس السيادة في حكومة بورتسودان، الفريق أول عبدالفتاح البرهان، إلى الولايات المتحدة، قبيل مشاركته في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، أحد أكثر الملفات حساسية في المشهد السوداني: هل بات حضور قائد الجيش إلى المنابر الدولية مرتبطًا بموقف واشنطن من استخدام السلاح الكيميائي واستمرار الحرب، أم أن القضية تتجاوز التأشيرة إلى محاولة إعادة ترتيب موازين الضغط السياسي والعسكري على طرفي الصراع؟

وبحسب وكالة «رويترز»، لم تصدر واشنطن حتى الآن تأشيرة دخول للبرهان، الذي كان مقررًا أن يلقي كلمة أمام الجمعية العامة في نيويورك.

ونقلت الوكالة عن مصدر دبلوماسي سوداني ومحلل غربي مطلع أن مسألة التأشيرة تبدو مرتبطة بموقف البرهان من مقترح أمريكي لوقف إطلاق النار لمدة 90 يومًا، وهو المقترح الذي قالت المصادر إن البرهان تحفظ عليه. كما طلب السفير السوداني لدى الأمم المتحدة، الحارث إدريس، من الأمين العام أنطونيو غوتيريش التدخل لمعالجة الأزمة. وأكدت الأمم المتحدة أنها أثارت المسألة بصورة عاجلة مع السلطات الأمريكية.

لكن أزمة التأشيرة لا تبدو مجرد خلاف بروتوكولي. فالبرهان، الذي كان يُفترض أن يخاطب الجمعية العامة من مقعد السودان، يدخل نيويورك ـ إن تمكن من الوصول إليها ـ بوصفه قائد القوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة في آن واحد، في وقت تتعامل فيه واشنطن معه منذ يناير 2025 بصفته قائدًا للجيش السوداني الخاضع للعقوبات الأمريكية. وكانت وزارة الخزانة الأمريكية قد فرضت عليه عقوبات، متهمة قيادة الجيش السوداني بارتكاب انتهاكات للقانون الدولي الإنساني وعرقلة المسار السياسي.

من يرد للبرهان «كرامته»؟

السؤال الذي يتردد داخل دوائر مؤيدي الجيش والإسلاميين والقوات المتحالفة معه ليس فقط: هل يحصل البرهان على التأشيرة؟ بل: من يستطيع إعادة الاعتبار السياسي والدبلوماسي لقائد الجيش إذا قررت واشنطن إبقاء باب نيويورك مغلقًا أمامه؟

هنا تبدو الإجابة أكثر تعقيدًا من البيانات السياسية التي قد تصدر من الخرطوم.

فالولايات المتحدة لا تتعامل مع البرهان باعتباره مجرد رئيس دولة مدعوًا إلى اجتماع دولي، وإنما كقائد للجيش الذي يخوض حربًا مستمرة منذ أبريل 2023. كما أن واشنطن سبق أن فرضت عليه عقوبات مباشرة، وربطت موقفها من قيادة الجيش بملفات الحرب والانتهاكات واستخدام السلاح الكيميائي والانتقال السياسي.

وبالتالي، فإن تحويل أزمة التأشيرة إلى معركة «كرامة وطنية» قد يكون سهلًا في الخطاب السياسي، لكنه لا يجيب عن السؤال الأصعب: هل يمتلك حلفاء البرهان أدوات ضغط كافية لتغيير موقف واشنطن؟

هل يستطيع غوتيريش إجبار واشنطن؟

يمتلك الأمين العام للأمم المتحدة مساحة للتحرك، لكنها ليست سلطة مطلقة على الحكومة الأمريكية.

اتفاقية المقر الموقعة بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة عام 1947 تلزم السلطات الأمريكية بعدم وضع عوائق أمام مرور ممثلي الدول الأعضاء إلى مقر الأمم المتحدة. كما تنص الاتفاقية على ترتيبات خاصة بالتأشيرات المطلوبة للوصول إلى مقر المنظمة.

والأهم أن الأمم المتحدة سبق أن تعاملت مع نزاعات مماثلة مع واشنطن بشأن التأشيرات. فالمسألة ليست نظرية؛ إذ استخدمت المنظمة آليات الاتفاقية في نزاعات سابقة، ويمكن للأمين العام، في حال تحول الخلاف إلى نزاع حول تفسير الاتفاقية أو تطبيقها، اللجوء إلى آلية تسوية المنازعات المنصوص عليها في المادة 21.

لكن ذلك لا يعني أن غوتيريش يستطيع ببساطة إصدار أمر لواشنطن بمنح البرهان التأشيرة.

الأرجح أن أدواته تبدأ بالضغط والتفاوض، وليس بالإجبار. وهذا ما يحدث بالفعل وفق «رويترز»، إذ قالت الأمم المتحدة إنها أثارت القضية بصورة عاجلة مع السلطات الأمريكية.

وماذا عن اتهامات الأسلحة الكيميائية؟

هنا تصبح القضية أكثر تعقيدًا.

واشنطن أعلنت في مايو 2025 أنها خلصت إلى أن القوات المسلحة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية خلال الحرب، واتخذت على أساس ذلك إجراءات عقابية. وفي يناير من العام نفسه، كانت قد فرضت عقوبات على البرهان شخصيًا، متهمة قواته بانتهاكات جسيمة خلال الحرب.

في المقابل، نفت حكومة بورتسودان بصورة قاطعة استخدام الجيش أسلحة كيميائية، وطالبت بالتعامل مع الملف عبر منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، مؤكدة أن الاتهامات الأمريكية تفتقر، بحسب موقفها الرسمي، إلى الأساس المطلوب.

كما أن الملف لم يُغلق سياسيًا؛ فقد واصلت الولايات المتحدة التأكيد في مجلس الأمن على موقفها، بينما ردت الخرطوم بأن التحقيق ينبغي أن يتم عبر منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.

ولهذا، فإن وجود هذا الملف في خلفية أزمة التأشيرة يجعل مهمة غوتيريش أصعب؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بخلاف حول هدنة، وإنما بسجل متراكم من العقوبات والاتهامات الأمريكية ضد قائد الجيش السوداني.

هل قبول الهدنة يعيد «الكرامة» أم يمثل تراجعًا عسكريًا؟

هنا تكمن المفارقة السياسية الأكبر.

إذا وافق البرهان على هدنة لمدة 90 يومًا، فإن أنصار الجيش قد يقدّمون الخطوة باعتبارها مناورة سياسية ضرورية لفتح الطريق أمام الحل، بينما قد يرى حلفاؤه الأكثر تشددًا أن قبول هدنة بشروط أمريكية يعني تقديم تنازل سياسي قبل حسم المعركة عسكريًا.

لكن الهدنة في حد ذاتها لا تعني اعترافًا بالهزيمة، كما أن رفضها لا يعني تلقائيًا الانتصار في الميدان.

المعيار الحقيقي سيكون ما الذي تتضمنه الهدنة، وما الذي سيحدث خلالها: هل توقف العمليات من الطرفين؟ هل تسمح بدخول المساعدات؟ هل تتضمن ترتيبات أمنية؟ وهل تتحول إلى وقف دائم لإطلاق النار ومسار سياسي، أم تصبح مجرد فترة لإعادة ترتيب القوات؟

وهذا مهم لأن واشنطن نفسها قالت في مجلس الأمن إنها تريد إنهاء الحرب والوصول إلى سلام يحافظ على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه.

هل تستطيع السعودية ومصر وتركيا إنقاذ الموقف؟

تملك الدول الثلاث قنوات اتصال مختلفة مع قيادة الجيش، لا سيما الفريق أول عبدالفتاح البرهان، لكن قدرتها على تغيير القرار الأمريكي ليست متساوية ولا مضمونة.

السعودية لعبت دورًا في مسار جدة، كما أن واشنطن قالت إن مبادرتها الأخيرة جرى تنسيقها مع شركائها الإماراتيين والمصريين والسعوديين، «دول الرباعية».

ومصر تمتلك علاقة سياسية وأمنية وثيقة مع مؤسسات الدولة والجيش السوداني، بينما تحافظ تركيا على علاقات واسعة مع الخرطوم.

لكن المشكلة أن الوساطة مع واشنطن لا تعني امتلاك حق النقض على القرار الأمريكي.

وإذا كانت واشنطن تربط عمليًا بين الملف الدبلوماسي وسلوك الجيش في الحرب، فإن قدرة حلفاء البرهان على إزالة الحرج لن تكون مرتبطة فقط بالعلاقات الشخصية أو السياسية، وإنما بقدرتهم على تقديم صيغة تضمن وقف القتال وتحسين الوضع الإنساني وفتح مسار سياسي مقبول دوليًا.

وماذا تستطيع الحركة الإسلامية بقيادة «علي كرتي» أن تفعل؟

الحركة الإسلامية السودانية تظل أحد أكثر الملفات حساسية في حسابات حلفاء البرهان وخصومه.

لكن السؤال هنا ليس: هل لديها علاقات خارجية؟

بل: هل تستطيع هذه العلاقات التأثير في مركز القرار الأمريكي؟

حتى الآن، ترى واشنطن أن الحركة الإسلامية تمتلك زمام المبادرة في الحرب عبر كتائب مسلحة. كما أن هناك عقوبات أمريكية مفروضة على قياداتها لتورطها في الانتهاكات وتمويل الحرب.

هنا يبدأ الضغط الأمريكي من أجل انتقال سياسي مدني بمعزل عن قائد الجيش وحلفائه الإسلاميين، وبالتالي فإن ذلك يبدد مساعي الحركة الإسلامية تجاه واشنطن، ويجعل هامش تحركها محدودًا للغاية.

وهذا لا يعني انعدام قنواتها الإقليمية أو الدولية، وإنما يعني أن تحويل تلك القنوات إلى نفوذ مباشر على القرار الأمريكي يحتاج إلى أدلة لا توفرها المعلومات المتاحة حاليًا.

«المعركة الحقيقية ليست في المطار»

ويرى محلل سياسي، فضّل حجب اسمه، لـ«عين الحقيقة»، أن أزمة التأشيرة تكشف «مأزقًا أكبر من مجرد منع قائد الجيش من دخول نيويورك».

ويقول المحلل إن «المشكلة بالنسبة للبرهان ليست في أن يلقي خطابًا أمام الجمعية العامة أو لا يلقيه، وإنما في الصورة التي تتشكل حول موقعه الدولي بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب».

ويضيف أن «الحديث عن رد الكرامة للبرهان من خلال كسر قرار واشنطن قد يكون مريحًا للخطاب السياسي الداخلي، لكنه لا يغير حقيقة أن الولايات المتحدة باتت تربط علاقتها بقيادة الجيش بملفات وقف الحرب والانتهاكات والانتقال السياسي».

ويرى أن «الرهان الأصعب أمام حلفاء البرهان هو إقناع واشنطن بأن وقف إطلاق النار لن يتحول إلى مكسب لقوات الدعم السريع، وفي الوقت نفسه إقناع المجتمع الدولي بأن الجيش مستعد لمسار سياسي حقيقي».

ويحذر المحلل من أن تحويل القضية إلى مواجهة مفتوحة مع واشنطن قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، قائلًا إن «المعركة الدبلوماسية لا تُحسم بالشعارات، وإنما بامتلاك أوراق تفاوض تستطيع تغيير حسابات الطرف الآخر».

ويضيف: «إذا استطاع البرهان أن يدخل في هدنة دون أن يبدو وكأنه يتخلى عن شروطه الأساسية، ثم يستخدمها لفتح مسار سياسي يضمن وحدة السودان وترتيبات أمنية واضحة، فقد تتحول الهدنة إلى ورقة تفاوضية. أما إذا رفضها فقط لإثبات أن القرار ما زال عسكريًا، فقد يخسر فرصة سياسية دون أن يحصل بالضرورة على مكسب عسكري حاسم».

أزمة التأشيرة تضع البرهان أمام اختبار يتجاوز نيويورك.

فالأمين العام للأمم المتحدة يستطيع الضغط على واشنطن والاستناد إلى اتفاقية المقر، وللمنظمة أدوات قانونية ودبلوماسية في حال نشأ نزاع حول تطبيق الاتفاقية، لكن القرار النهائي بشأن الدخول إلى الأراضي الأمريكية لا ينتقل إلى يد غوتيريش.

وفي الواقع، يستطيع حلفاء البرهان الإقليميون ممارسة الوساطة والضغط السياسي، لكن لا توجد أدلة علنية حتى الآن على قدرتهم على إجبار واشنطن على تغيير موقفها.

أما الهدنة، فهي لا تمنح البرهان تلقائيًا «نصرًا»، ولا تعني تلقائيًا «هزيمة». فقيمتها السياسية والعسكرية ستتحدد بما سيأتي بعدها.

ويبقى السؤال الأكبر: هل يستطيع البرهان تحويل أزمة التأشيرة من إهانة دبلوماسية في نظر أنصاره إلى ورقة تفاوضية، أم أن واشنطن تكون قد نقلت المعركة من ساحات السودان إلى ممرات الدبلوماسية الدولية؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.