أقنعة السقوط.. حين تصبح المتاجرة بدماء السودانيين عقيدة إخوانية

نورا عثمان

حين تُختصر الأوطان في عيون الطامعين، وتتحول قضايا الشعوب إلى مجرد “ورقة محروقة” في بورصة المصالح الحزبية والجهوية، يصبح السقوط الأخلاقي أمراً حتمياً. هذا هو باختصار المشهد الذي لطالما فرضه تيار الإخوان المسلمين وتنظيماتهم الواجهة على السودان وشعبه الأبيّ. فمنذ عقود، لم يكن تنظيم الإخوان في السودان سوى ماكينة هدم مبرمج، تدمر مؤسسات الدولة، وتفتت النسيج الاجتماعي، وتجيد تسعير الفتن، ليخرجوا لنا اليوم مجدداً، بلا حياء ولا وازع من ضمير، ليعرّفوا عن أنفسهم بوضوح: هم لا يريدون لهذا الشعب الحياة.
إن المتأمل لطبيعة هذا التنظيم يدرك تماماً أنه يقتات على الأزمات ويعتاش على الحروب. بالنسبة لهم، السلام جحيم والهدوء خطر يهدد وجودهم الطفيلي. لقد أثبتت سنوات حكمهم البائدة، وتلتها مغامراتهم العبثية للعودة إلى السلطة ولو على أجساد الأبرياء، أن الوطن بالنسبة لهم مجرد غنيمة؛ فإما أن يحكموه حرقاً وتدميراً، أو يحيلوه إلى رماد. إنهم يخوضون حرباً نفسية وميدانية شعواء ضد المواطن البسيط، يعطلون كل مسار للحل، ويجهضون كل محاولة للنجاة، تماماً كمن يغرق سفينة ركاب وهو جالس في قاعها، متخندقين خلف شعارات زائفة وأيديولوجيات بالية لا تحترم إنسانياً ولا تقيم وزناً لدم أو عرض.
أي منطق أعوج هذا الذي يجعل جماعة تدعي الانتماء للدين تسعى بفجور متعمد لتشريد الملايين، وتحويل المدن الآمنة إلى ساحات خراب؟ أطفال السودان الذين يُحرمون من المدارس، والمرضى الذين يواجهون الموت بلا دواء، والعائلات التي تفترش الأرض وتتحمل قسوة النزوح والتهجير؛ كل هذه المآسي لا تثير في ضمائر هؤلاء سوى شهوة الانتقام السياسي والرغبة المحمومة في استعادة كراسي السلطة المنهوبة. إنهم لا يترددون في تحويل كل منبر وإعلام وواجهة إلى منصة للتحريض، وإطالة أمد الموت، وقطع أمل هذا الشعب في العيش الكريم.
ولكن هيهات؛ فالشعب السوداني الذي خبر خبثهم وتجرع مرارة مكرهم طويلاً، بات أوعى وأفطن من أن ينخدع بأقنعتهم المزيفة التي تساقطت واحدة تلو الأخرى. إن دماء الأبرياء التي تُسفك، وأنين الثكلى والمشردين، ستظل مطاردة لهم في كل خطوة، وعاراً يلاحقهم في صفحات التاريخ.
حان الوقت لنقولها بصوت مدوٍ بلا خوف ولا مواربة: كفى عبثاً، وكفى متاجرة بالدين وبأرواح الأبرياء. إن معركة السودان اليوم هي معركة بقاء ضد جماعة لا تعرف لمعنى الوطن حرمة، ولا تؤمن للإنسان بحق في الحياة. ولن ينعم السودان بالأمن والاستقرار إلا باجتثاث هذا الفكر الظلامي من جذوره، ودفن أوهامه العبثية إلى الأبد، ليقوم الوطن جديداً على أيدي أبنائه الشرفاء الذين يعشقون الحياة، لا على أطلال الموت والدمار.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.