بين مطرقة التحذير وسندان الموت المتربص.. لبابة الفضل تُهذي

 تيسير المبارك

​في مشهد وطني بالغ التعقيد والسيولة، تخرج علينا القيادية الإسلامية لبابة الفضل بتحذيرات مشددة من مغبة تحول المظاهرات المطالبة بإسقاط البرهان إلى أعمال تخريب وتعطيل لمصالح المواطنين. تحذير يبدو في ظاهره حريصاً على النظام العام والسكينة العامة، لكنه في باطنه، وعند إسقاطه على واقع السودان المأساوي، يعاني من مفارقة صارخة وانفصام تام عن النبض الحقيقي للشارع.
​أي مصالح للمواطنين تتحدثين عنها؟ ​إن الحديث عن تعطل المصالح العامة وقطع الطرق أو شلل المرافق يبدو ترفاً فكرياً وخطاباً ديماغوجياً في بلد تدخل حربه المدمرة عامها الرابع فوق رؤوس الملايين. فالمواطن السوداني لم يتبقَ له مصلحة تذكر لكي تُعطل؛ لقد هُجر من بيته، وفقد مصدر رزقه، وتحولت المستشفيات إلى ثكنات أو ركام، وبات شبح الموت بالرصاص أو الجوع أو المرض يطارد أسر بأكملها في كل ثانية.
​حين يحوم الموت والدمار حول الرؤوس على مدار الساعة، تصبح التضحية بالمظاهرات السلمية أو التعبير عن الغضب الشعبي هزءاً بآلام الضحايا. إن الخراب الحقيقي ليس في إطارات تشتعل في الشوارع أو هتافات تهز عروش الطغاة، بل في استمرار آلة الحرب التي تركت المواطن بلا مأوى، بلا أفق، وبلا أبسط مقومات البقاء الإنساني.
​انقلاب الأولويات وسقوط شرعية الخطاب
​إن التركيز على “التخريب” المحتمل للمظاهرات مع كامل إدانتنا لأي أعمال سلب أو ترويع للمدنيين يُشكل محاولة بائسة لصرف الأنظار عن الجوهر الحقيقي للأزمة. إن غضب الشارع وتصاعد المطالب بإسقاط النظام القائم أو قيادته العسكرية الحالية ليس ترفاً عبثياً، بل هو صرخة استغاثة أخيرة من شعب استنفد صبره أمام العجز المستديم عن حمايته أو إيقاف نزيف الدم.
​بدلاً من توجيه أصابع الاتهام والتخويف للمتظاهرين الساعين لاسترداد وطنهم وكرامتهم، كان الأجدر بالقيادات السياسية والدينية—ومنها لبابة الفضل—أن توجه جام غضبها وعدسة نقدها نحو من أشعلوا فتيل الحرب، ومن استمروا في إدارة الأزمة بعقلية الاستبداد والتسلط، متجاهلين أن بقاء المواطن تحت قصف المدافع هو الجريمة الكبرى التي تسبق كل جرائم التخريب.
​خاتمة: صوت الشارع يعلو على أصوات الوصاية
​إن محاولات تدجين الغضب الشعبي ووضع القيود على حق التعبير والمقاومة السلمية لن تزيد الشارع إلا إصراراً. فالمواطن الذي فقد كل شيء لم يعد يخشى شيئاً، وخطابات التخويف والتحذير الموجهة ضد الضحايا لا تزيد المشهد إلا تأزماً.
​لقد حان الوقت للجميع ليدركوا أن استعادة مصالح المواطنين تبدأ أولاً بإسقاط أسباب معاناتهم، لا بقمع أصواتهم المطالبة بالحياة والحرية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.