أثارت التعديلات الأخيرة على القانون الجنائي السوداني المادة( 51 )اثارة الح/رب ضد الدولة نقاشاً واسعاً اتخذ أبعاداً قانونية وسياسية ، وقد تركز جانب مهم من النقاش القانوني على نطاق التجريم الذي يقرره النص، مع اهتمام أقل ببعض المفاهيم القانونية والدستورية الأخرى التي يثيرها التعديل ، هذا المقال محاولة لطرح عدد من التساؤلات بشأن هذه الجوانب و نقل النقاش الي نقطة قانونية اعمق ، دون السعي إلى تقديم حلول تشريعية أو أحكام نهائية، وإنما بهدف إثارة نقاش قانوني بين الزملاء المحامين و القانونيين حول مسائل تستحق مزيداً من النظر.
ظلت المادة 51 من القانون الجنائي السوداني، المتعلقة بإثارة الحرب ضد الدولة، من المواد التي لم تكن في صدارة التطبيق الجنائي قبل اندلاع النزاع ، لكنها اكتسبت أهمية بارزة في سياق النزاع الحالي بما يعرف شعبيا بالتعاون و ما نتج عنه من محاكمات وعقوبات وصلت الى الاعدام والسجن المؤبد ، تبرز هذه الجريمة مرة اخرى من خلال التعديل الذي طرأ عليها باضافة النشر الالكتروني و الاعلامي في عجز الفقرة (أ) من نص المادة 51 التي تتعلق بأفعال التدريب وجمع الأفراد والسلاح والعتاد، وتمتد، وفقاً للنص الي الشروع والتحريض و التأييد باعتبار أن هذه الأفعال تشكل جريمة اثارة الحرب ضد الدولة في حالة اكتمال أركان الجريمة الاخرى ,ويثير ذلك أسئلة بشأن حدود السلوك المجرّم، ومدى وضوح عناصر الجريمة، والضوابط التي ينبغي أن تحكم تطبيقها.
ابتداءا العبارة الأكثر اثارة للجدل في نص المادة ( أو تأييده بأي وجه ) يصبح السؤال ما طبيعة التأييد الذي أراده المشرع هل المقصود هو المساهمة المرتبطة بالفعل الإجرامي وتحقق عناصر المسؤولية الجنائية ؟ أم أن صياغة النص تسمح بتفسير أوسع يمكن أن يمتد إلى الرأي و المواقف السياسية؟ حيث يكمن الإشكال الاساسي في أن هذه العبارة لا تحدد بذاتها الحد الفاصل بين التأييد الذي يشكل مساهمة جنائية وحرية التعبير التي يجب كفالة ممارستها وإنما تترك هذا التحديد للسلطة التقديرية دون ضوابط واضحة ,وفي سياق النزاع المسلح و الاستقطاب السياسي الحاد يمكن أن يثير ذلك مخاوف حقيقية من تفاوت التطبيق أو استخدام التجريم ضد المواقف السياسية .
من الاسئلة الهامة أيضا هي ما يتعلق بالتعديل الذي أضاف النشر الإلكتروني والإعلامي إلي جريمة اثارة الحرب ضد الدولة فالسؤال هنا ليس فقط عن الغاية من الإضافة، وإنما عن أثرها القانوني هل جاء التعديل يحدد بصورة دقيقة السلوك الذي أراد المشرع تجريمه ؟ أم اضافة سلوك جديد إلى نطاق تجريم قائم أصلاً على عبارة واسعة؟ مع أن النشر الالكتروني و الاعلامي قد أصبح بالفعل محلاً للملاحقة والمحاكمات استناداً إلى عبارة «أو يؤيده بأي وجه» حتى من قبل التعديل الاخير ، كما أن الإضافة تثير سؤالاً آخر هل أراد المشرع تأكيد تجريم هذا السلوك (النشر الإلكتروني و الإعلامي )، عبر إخراجه من نطاق السلطة التقديرية و التفسير القضائي وإدراجه صراحة في النص؟
ومع ذلك، أرى أن الإجابة عن هذه الأسئلة رغم أهميتها لا تلامس اشكالية قانونية مهمة أثارها التعديل وهي أزمة الشرعية الدستورية والمفارقة في الاستناد إلى الوثيقة الدستورية , هذه الإشكالية تتجاوز حدود نص المادة 51 إلى سؤال أكبر من يملك سلطة التشريع، وعلى أي أساس دستوري يمارسها؟
أن شرعية ممارسة السلطة في البلاد دخلت في أزمة دستورية عميقة منذ الانقلاب على الفترة الانتقالية عبر الإجراءات التي اتخذت وعطلت نصوص من الوثيقة الدستورية, ثم اندلع النزاع المسلح وعمق الانقسام السياسي في ظل هذا السياق يبرز سؤال يستحق النقاش , كيف تستند السلطة إلى الوثيقة الدستورية لتبرير تعديل القانون الجنائي، وهي نفس السلطة التي واجهت اتهامات بعدم الالتزام و اختراق ذات الوثيقة الدستورية ؟
ويطرح ذلك إشكالاً قانونياً آخر يتعلق بمصدر الاختصاص التشريعي وحدوده, بمعنى إذا كانت صلاحية تعديل القانون مستمدة من الوثيقة الدستورية، فإن السؤال يصبح هل يكفي الاستناد إلى الوثيقة لإثبات مشروعية التعديل ؟ أم يجب أيضاً التحقق من أن الجهة التي أصدرت التعديل تملك الاختصاص الدستوري اللازم، وأنها مارسته وفقاً للإجراءات والقيود ذات الصلة؟
وعلى وجه العموم لإثراء النقاش ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات لا يمكن دمجها في حكم واحد حيث يجب النظر إليها بصورة منفصلة و هي ( شرعية السلطة التي تمارس الاختصاص التشريعي، وصحة الإجراءات التي صدر بها التشريع ، وعدالة مضمون النص التشريعي) .
مع ذلك هذا التمييز لا يقلل من خطورة إشكال الشرعية بل يحدده بدقة أكبر فحين تكون شرعية السلطة محل نزاع، يصبح من الضروري إخضاع ممارسة الاختصاص التشريعي لفحص أكثر صرامة، خاصة عندما يتعلق الأمر بقواعد جنائية تتيح للدولة سلب الحياة و تقييد الحرية وفرض عقوبات جسيمة كما في جريمة اثارة الحرب ضد الدولة ,أي أن مجرد الاستناد إلى الوثيقة الدستورية وحده لا يكفي لتبرير كل ممارسة السلطة و أن الاحتجاج بالشرعية ليس بديل عن إثبات الاختصاص واحترام القيود الدستورية، فالشرعية الدستورية ليست مجرد مصدر تستمد منه السلطة صلاحياتها، وإنما هي أيضاً إطار يقيد الصلاحيات ويخضع ممارستها للمساءلة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.