قلناها حين كانت الفاشر تنزف.. ونقولها الآن: الجيش المهزوم لن ينتصر

آلمني، حدَّ الوجع الذي يعصر القلب ويعقد اللسان، التوثيق الذي أعدّه فريق بي بي سي لانتهاكات قوات الدعم السريع إبان حصار الفاشر، وما كشف عنه من قتل واغتصاب وفظائع ارتُكبت بحق المدنيين. لم أستطع إكمال الفيديو؛ كانت المشاهد أقسى من الاحتمال، وأفظع من أن تستوعبها النفس دون أن تنكسر في داخلها أشياء كثيرة.
أوقفت المشاهدة، لكنني لم أستطع إيقاف الأسئلة.
أيُّ قسوة هذه التي تجعل الإنسان يستبيح أخاه الإنسان إلى هذا الحد؟ وأيُّ انحدار هذا الذي يحوّل النساء والأطفال والمدنيين العزّل إلى فرائس في غابة لا يحكمها قانون ولا يردعها ضمير؟
لم تكن فظاعة المشاهد وحدها ما أفجعني، بل ذلك التاريخ الطويل الذي أوصلنا إلى هذه الهاوية. لم تنبت هذه القوات في فراغ؛ لقد نشأت في بيئة سياسية وعسكرية صنعتها الحروب، ورعتها سلطة الإنقاذ، وأسهمت الحركة الإسلامية في تشكيلها وتغذيتها، حين جعلت المليشيات أدواتٍ للسلطة، والعنف وسيلةً للحكم، والولاء بديلاً عن القانون.
كيف لمنظومة ربّت البلاد على التمكين والإقصاء، وشرعنت السلاح خارج مؤسسات الدولة، أن تترك وراءها وطناً آمناً ومجتمعاً متصالحاً؟ لقد زرعت تلك المنظومة بذور الخراب، وها نحن نحصد الموت والدمار في أنحاء السودان.
لكن هذا الإرث لا يعفي أحداً من المسؤولية. فجرائم الدعم السريع تُدان بلا مواربة، وكل من ارتكب القتل والاغتصاب والتنكيل بالمدنيين، أو ثبت تورطه فيها، يجب أن يُحاسب. لا تاريخ سياسي يبرر الجريمة، ولا شعار عسكري يمنح مرتكبها حصانة.
ومن هنا، تمتد الإدانة إلى قيادة الجيش السوداني، وإلى كل من أسهم في صناعة هذه الكارثة أو أدار الحرب على نحو عرّض المدنيين لمخاطر كان يمكن تجنبها. وأخصّ بالذكر أولئك الذين اتخذوا من الاستعلاء لغةً، ومن استعراض القوة بديلاً عن حماية الناس، ومن الألقاب وسيلةً لتكريس صورة القائد المتجبر. ومن ذلك اللقب الذي عُرف به أحد القادة، «ربّ الفور»، بما حمله لدى كثيرين من دلالات الاستعلاء على أهل دارفور، الذين لم يكونوا بحاجة إلى من يتعالى عليهم، بل إلى من يحميهم من الموت.
فالقيادة ليست لقباً، والرتبة ليست صكّ براءة، والجيش ليس فوق المساءلة. قيمة المؤسسة العسكرية لا تُقاس بما ترفعه من شعارات، بل بما توفره من أمن لمواطنيها، وبقدرتها على حمايتهم، لا الزجّ بهم في أتون المعارك.
وحين بلغت مأساة الفاشر ذروتها: ماذا يعني أن يُطلب من السكان الصمود، وأن يُطمأنوا إلى وعود الحماية والنصر، بينما تظل قدرتهم الفعلية على النجاة موضع تساؤل؟ وما جدوى حثّ الناس على البقاء إذا لم تكن هناك قدرة حقيقية على حمايتهم؟
إن تضليل المدنيين ودفعهم إلى البقاء رغم المخاطر يستوجب تحقيقاً مستقلاً يكشف حقيقة القرارات، والخيارات التي كانت متاحة، ومن يتحمل مسؤولية ما حدث. وثبت أن المواطنين تُركوا أسرى لوعود لا يسندها الواقع، وحُرموا من فرص للنجاة، فذلك ليس مجرد إخفاق عسكري؛ إنه إخفاق أخلاقي يستوجب المحاسبة.
أيُّ وطنية هذه التي تطلب من المواطن أن يموت صامداً، بينما تعجز عن ضمان حقه في الحياة؟ وأيُّ نصر يُرجى من معركة يتحول فيها الناس إلى أوراق ضغط، وتُستثمر دماؤهم في الدعاية السياسية والعسكرية؟
لقد سئمنا الوعود التي لا تحمي أحداً، والخطب التي تتحدث عن النصر بينما تتسع المقابر، والشعارات التي تُرفع فوق مدن مدمرة وأجساد منهكة. لا يجوز أن يُترك المدنيون عرضةً لأن يصبحوا دروعاً بشرية في حرب لم يختاروها، ولا أن تتحول مأساتهم إلى مادة للتباهي أمام المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان.
وأدين البرهان، مرة أخرى، بسبب إصراره على مواصلة الخيار العسكري، في وقت يعرقل فيه المسار السياسي عن إنهاء حرب يدفع السودانيون ثمنها من أرواحهم وبيوتهم ومستقبل أبنائهم. فكل يوم تستمر فيه الحرب يضيف إلى سجل المأساة قتلى ونازحين، وأمهات ينتظرن أبناءً لا يعودون.
يسمّونها «حرب الكرامة»، لكن الكرامة لا تُقاس بالأسماء التي تطلقها الأطراف على حروبها. الكرامة أن يأمن المواطن في بيته، وأن تنجو المرأة من الاغتصاب، وأن يجد الطفل ما يحميه من الرصاص والجوع والرعب. أما الحرب التي تفتك بالناس وتبدد الوطن، فلا تنقذها الشعارات، ولا تتحول إلى نصر بمجرد أن يعلنه أحد أطرافها.
ولن نستخدم جرائم طرف لتبرئة الطرف الآخر. فالدعم السريع مسؤول عن جرائمه، والجيش وقادته مسؤولون عما ثبت من قراراتهم الخاطئة وإخفاقاتهم المتكررة، والحركة الإسلامية مسؤولة تاريخياً وسياسياً عن منظومة العنف والتمكين التي أسهمت في إضعاف بلد عزيز وتمزيق مجتمعه. ولكل مسؤولية طبيعتها، ولكل جريمة حسابها، ولا يجوز أن تضيع الحقيقة وسط ضجيج الدعاية المتبادلة.
إن العدالة ليست انحيازاً لمعسكر ضد آخر؛ إنها انحياز للضحايا، أياً كانت هوياتهم، ومحاسبة لكل من انتهك حقهم في الحياة والكرامة. ومن لا يستطيع إدانة الجريمة حين يرتكبها حليفه، لا يدافع عن مبدأ، بل عن ولاء.
لم تكن الفاشر مجرد مدينة سقطت تحت وطأة الحصار والعنف؛ لقد أصبحت مرآة لانهيار الدولة حين تتقدم البنادق على القانون، وحين يصبح المواطن آخر ما تفكر فيه السلطة، وأول ما تضحي به في حساباتها.
لا أملك ما يخفف عن أهلها مصابهم؛ فالكلمات لا تعيد من قُتلوا، ولا تمحو من ذاكرة الناجين ما رأوه وعاشوه. لكن الصمت أمام هذه الفظائع تواطؤ مع النسيان، والنسيان هو الباب الذي تعود منه الجرائم في ثياب جديدة.
رحم الله ضحايا الفاشر، وحفظ من بقي من أهلها، وأنصف النساء اللواتي انتُهكت حرماتهن، والأسر التي لا تعرف مصير أبنائها. نريد تحقيقات مستقلة، وعدالة لا تستثني صاحب رتبة أو سلطة، ووقفاً للحرب يضع حياة السودانيين فوق حسابات المتحاربين.
فالجيش الذي يعجز عن حماية مواطنيه لا يستعيد هيبته بالخطب، ولا يثبت وطنيته بتخوين منتقديه. والقيادة التي تطلب من الناس الصمود مطالبة أولاً بأن تشرح لهم كيف ستحميهم، لا أن تتركهم وحدهم أمام الموت.
أما السودان، فلن ينتصر ما دام أبناؤه وقوداً لحرب عبثية، وما دامت السلطة أغلى من أرواحهم. لن يكون هناك نصر حقيقي فوق أنقاض المدن المدمرة، ولا كرامة في وطن يُترك فيه المواطن فريسة للقتل والاغتصاب والتشريد.
والجيش المهزوم نفسياً وأخلاقياً لن ينتصر بمزيد من الشعارات. والبلاد التي لا تحمي أبناءها لا تحتاج إلى من يعلن لها النصر؛ بل إلى من يوقف الهزيمة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.