من يحاسب من في هذا البلد المنكوب؟ هل يحاسب البرهان الشعب الذي تجرأ وتكلم عن إخفاقاته في توفير لقمة العيش؟ أم يحاسب الشعب البرهان عن عجزه عن تأمين أبسط احتياجاته الأساسية، وهي الأمن والغذاء والدواء؟
في الأيام الماضية، لم تعد الأسئلة مشروعة.
صدرت قرارات وتوجيهات لا تستهدف تصحيح المسار، ولا كشف العيوب، ولا التبصير من أجل النهوض بالبلد، بل تستهدف شيئاً واحداً فقط: تكميم الأفواه بغرض الاستمرار في الحكم.
حين يصل الدولار إلى عشرة آلاف جنيه، وحين تختفي الأدوية من الرفوف، وحين يصبح راتب الموظف لا يكفي لأسبوع، يكون النقد واجباً وطنياً.
لكن ما حدث هو العكس. فبدلاً من محاسبة من أوصل الجنيه إلى الحضيض، تتم محاسبة من كتب عن سقوط الجنيه.
وبدلاً من محاسبة من فشل في حماية الأسواق من التهريب، تتم ملاحقة الصحفي الذي كشف شبكات التهريب.
هل نحاسب الكيزان؟ أم يريد الكيزان أن يقدموا للشعب حبل الإعدام مرة أخرى؟ في زمن أصبحت فيه الكلمة مسموعة لدى الجميع، وفي زمن يسبق فيه الخبر أوانه، يريدون إعادة عقارب الساعة إلى زمن الحجب والمصادرة. يريدون صحافة تصفق، وناشطين يبايعون، وشعباً يصمت.
القرارات الأخيرة التي استُصدرت بحق صحفيين وناشطين تحت لافتات فضفاضة، مثل «بث الشائعات» و«تقويض النظام العام» و«الإساءة للقوات المسلحة»، ليست قرارات لحماية الدولة، بل هي قرارات لحماية الفشل.
الدولة لا تهتز بكلمة صحفي، لكن الفاسد يهتز. والمؤسسة العسكرية لا تسقط بمقال، لكن المنتفع من استمرار الحرب يسقط.
إن أخطر ما في المشهد اليوم ليس الغلاء، بل صناعة الخوف.
أن يكتب الصحفي وهو يتلفت، وأن ينشر الناشط وهو يحذف نصف الحقيقة، وأن يصبح المواطن يهمس لجاره بدلاً من أن يصرخ في وجه المسؤول. هذه هي الهزيمة الحقيقية.
يريدون إقناعنا بأن معركة الكرامة تعني أن نكرم الفشل ونسكت عن الأخطاء. كلا. معركة الكرامة الحقيقية هي كرامة المواطن في بيته، وفي أن يجد الخبز دون ذل، والدواء دون وساطة، والخبر دون تزييف. لا كرامة لوطن يُهان فيه قلم حر.
لقد جربنا هذا الطريق من قبل. جربنا اعتقال الصحفيين وإغلاق الصحف وحجب المواقع. فهل انصلح حال البلد؟ هل انخفض سعر الدولار؟ هل توقفت الحرب؟ أبداً. ازداد الخراب خراباً، لأن التعتيم لا يعالج المرض، بل يخفي الأعراض حتى ينفجر الجسد كله.
من يحاسب من؟
الشعب هو من يجب أن يحاسب الحاكم، لا العكس. الحاكم موظف عند الشعب، وليس سيداً عليه.
والصحافة ليست عدواً للدولة، بل هي مرآة الدولة. ومن يكسر المرآة لأنه لا يحب وجهه، سيظل قبيحاً حتى لو كسر كل المرايا في العالم.
إنهم يريدون تكميم الأفواه لسبب بسيط: لأنهم يعلمون أن الكلمة اليوم أقوى من الرصاصة. الرصاصة تقتل فرداً، والكلمة توقظ شعباً. لذلك يخافون من مقال أكثر من خوفهم من بندقية.
نقولها بوضوح: لن تصمت الأقلام. وإن صمتت الصحف الورقية، ستنطق الهواتف. وإن أُغلقت القاعات، ستتكلم الشوارع. محاولة إسكات الناس في عام 2026 وهم. الزمن تغير، والشعب تغير، والخوف انكسر.
المطلوب ليس قرارات لتكميم الأفواه، بل قرارات للمحاسبة. حاسبوا من سرق، ومن هرّب الذهب، ومن ضارب بالدولار، ومن تاجر بقوت الناس. حاسبوا من فشل في ملف الكهرباء والمياه والتعليم. أما الصحفي الذي كتب عن فشلكم، فهو لا يستحق المحاكمة، بل يستحق الشكر؛ لأنه قدم لكم ما عجزت عنه تقاريركم المدفوعة: الحقيقة.
من يحاسب من؟ سيأتي اليوم الذي يحاسب فيه الشعب كل من أجرم في حقه، وكل من كمّم فمه، وكل من تاجر بمعاناته ليبقى في الكرسي. والتاريخ لا يرحم.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.