الإسلام السياسي في السودان: من محراب الهداية إلى هندسة الدولة واقتصاد الغنيمة

محمد سراج محمد

سلسلة مقالات الاسلام السياسي وحكم السودان

( ١)

لم تكن حكاية الإسلام السياسي في السودان مجرد قصة جماعة دينية أرادت إصلاح المجتمع، ثم وجدت نفسها، بمحض المصادفة، على كرسي الحكم. إنها حكاية مشروع بدأ بخطاب الهداية، وانتهى بتجربة طويلة في هندسة الدولة وإعادة توزيع السلطة والثروة والنفوذ؛ حكاية تكشف كيف يمكن للشعار الأخلاقي، حين يتحول إلى أداة احتكار سياسي، أن يفقد براءته الأولى، ويصبح جسراً إلى السلطان، وربما إلى الغنيمة. ومن الإنصاف، قبل الخوض في هذه التجربة، التمييز بين التدين السوداني الأصيل، المتجذر في الوجدان الشعبي وتقاليد الطرق الصوفية والمجتمع، وبين الإسلام السياسي باعتباره تنظيماً يسعى إلى تحويل المرجعية الدينية إلى مشروع للحكم. فالإيمان شأن المجتمع، أما احتكار تمثيله سياسياً فشأن آخر، لا تمنحه القداسة ولا تعفيه من المحاسبة.

تعود البدايات الحديثة للحركة الإسلامية السودانية إلى أربعينيات القرن العشرين، في أوساط الطلاب، متأثرةً بفكر جماعة الإخوان المسلمين المصرية، وفي ظل صراع فكري مع التيارات اليسارية والشيوعية. وفي مارس 1949 ظهرت حركة التحرير الإسلامي بقيادة بابكر كرار، حاملةً تصوراً للاشتراكية الإسلامية. ثم شهد عام 1954 تمايزات فكرية وتنظيمية أسهمت في تشكيل هوية الحركة الإسلامية السودانية. كانت تلك مرحلة الأفكار والكتب والمناظرات، قبل أن تكتشف الحركة أن السياسة ليست امتحاناً في العقيدة وحدها، بل امتحان أيضاً في إغراءات السلطة.

وجاءت ثورة أكتوبر 1964، التي أطاحت نظام الفريق إبراهيم عبود، لتفتح المجال أمام النشاط السياسي العلني. فتشكلت جبهة الميثاق الإسلامي بقيادة حسن الترابي، وبرز مطلب الدستور الإسلامي. لكن امتحان الديمقراطية لم يتأخر؛ ففي عام 1965 شاركت الجبهة في الحملة السياسية والبرلمانية التي انتهت بحل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من الجمعية التأسيسية. وهنا ظهرت المفارقة المبكرة: ديمقراطية تُستدعى حين تخدم المشروع، ويُضيَّق عليها حين تمنح الخصم حق الوجود. وكأن التعددية مطلوبة، بشرط ألا يتعدد أصحاب الرأي!

أما المصالحة الوطنية مع نظام جعفر نميري عام 1977، فقد كانت محطة كاشفة لمرونة الحركة حين يتعلق الأمر بالوصول إلى مؤسسات الحكم. فبعد سنوات من المعارضة، دخل الإسلاميون في تسوية مع النظام، وعُيّن حسن الترابي نائباً عاماً عام 1979، وأسهم في مسار مراجعة القوانين وفق التصور الإسلامي. وفي سبتمبر 1983 أصدر نميري قوانين سبتمبر، في سياق أزمة سياسية واقتصادية متفاقمة. وهنا يبرز سؤال التاريخ: هل كان الدين هو الذي يبحث عن دولة، أم أن الحاكم كان يبحث عن شرعية دينية تحمي عرشه؟

وفي انتخابات 1986، حققت الجبهة الإسلامية القومية حضوراً برلمانياً تجاوز خمسين مقعداً، وأثبتت أنها قوة سياسية مؤثرة، وإن لم تكن صاحبة الأغلبية. لكن في 30 يونيو 1989 حدث التحول الأخطر: استولت الجبهة على السلطة بانقلاب عسكري بقيادة العميد عمر البشير، وأُقصيت التجربة الديمقراطية قبل أن تستكمل دورتها. وهكذا انتقلت الحركة من منافسة الأحزاب إلى إلغاء المنافسة؛ ومن طلب التفويض الشعبي إلى الاستيلاء على الدولة. يا لها من سرعة في الانتقال من صناديق الاقتراع إلى صناديق الذخيرة!

وعلى امتداد ثلاثة عقود، لم تعد القضية مجرد تطبيق تصور أيديولوجي، بل أصبحت إعادة تشكيل لمؤسسات الدولة عبر التمكين السياسي والأمني والاقتصادي، وتقديم الولاء التنظيمي في مواقع عديدة على معيار الكفاءة والمواطنة. ولم يكن انقسام عام 1999 بين البشير والترابي تفصيلاً عابراً أو خلافاً عائلياً على ترتيب المقاعد؛ بل كشف التناقض داخل بنية المشروع نفسه: انقسمت السلطة بين المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي، بعدما عجز رفاق الأمس عن الاتفاق على صاحب الكلمة الأخيرة. ويبدو أن الشورى التي اتسعت للخطب ضاقت حين وصلت إلى كرسي القرار!

ثم جاءت سنوات الحرب والعزلة الدولية والأزمات الاقتصادية، وانفصال جنوب السودان في 9 يوليو 2011، لتتراكم أسئلة الحكم والحرب والهوية والتنمية. وفي ديسمبر 2018 خرج السودانيون احتجاجاً على التدهور الاقتصادي، قبل أن تتحول الاحتجاجات إلى ثورة وطنية تطالب بالحرية والسلام والعدالة. وفي 11 أبريل 2019 أُطيح بالبشير، بعد ثلاثين عاماً من الحكم. لم يكن ذلك مجرد سقوط رئيس، بل إعلاناً شعبياً عن فشل منظومة سياسية في إقناع قطاعات واسعة من السودانيين بجدوى مشروعها. والنقد هنا ليس محاكمة للتدين، ولا مصادرةً لحق الإسلاميين في العمل السياسي؛ فذلك حق تكفله المواطنة والتعددية. إنما هو إخضاع تجربة حكم لمعايير المساءلة والعدالة والحريات وحسن إدارة الدولة. فالدين لا يحتاج إلى جهاز أمني يحرسه، ولا إلى حزب يحتكر تفسيره، ولا إلى سلطة تعفي نفسها من النقد باسم السماء.

لقد أثبتت التجربة السودانية أن رفع الشعارات لا يعوّض غياب المؤسسات، وأن احتكار الحقيقة لا ينتج وطناً، وأن الدولة ليست غنيمة يتوارثها المنتصرون. والسؤال الذي ينبغي أن يواجهه الإسلام السياسي اليوم ليس: لماذا لم يفهم الناس مشروعنا؟ بل: لماذا لم نستطع، بعد كل تلك السنوات، أن نبني دولة يشعر فيها الجميع بأنهم مواطنون متساوون؟

فالسودان لم يكن ينقصه الوعّاظ ولا الخطباء ولا بيانات الخلاص؛ كان ينقصه حكمٌ يعرف أن الوطن أكبر من الجماعة، وأن الله لا يحتاج إلى انقلاب كي ينتصر الحق!

«ملاحظة تحريرية: روعي التمييز بين الوقائع التاريخية والتفسير السياسي، وتجنب الجزم بأن جميع الإسلاميين كانوا كتلة واحدة أو أن التدين الشعبي مرادف للإسلام السياسي».

مراجع توثيقية

مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية دراسة: خريطة وتوازنات القوى الفاعلة في المشهد السوداني الداخلي وآفاق تسوية الصراع.

سلمى حسن العطا محمد: الحركة الإسلامية في السودان: تجربة الحكم والانقسام في عام 2000م رسالة ماجستير، جامعة أم درمان الإسلامية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2007

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.