محمد عبدالله الدومة: حديث النقائص والمغائص

عباس احمد السخي يكتب

 

استهلال؛ رجلٌ لم يفهم دروس التاريخ، فراح يُلقي بالحجارة في نهرٍ يلوذ عنه البعد، ويستعصي عليه بالحكمة؛
نص المقال؛
لم يكن حديث محمد عبدالله الدومة في لقائه التلفزيوني الأخير إلا مرآةً عاكسة لانحدار خطاب ظل يلبس رداء العقل، فإذا به يسفر عن نقائص ومغائص تُغني السامعين عن إطالة المقام وكشف ما فيه من سِقام. وقد استهلّ الرجل خطابه بالدعوة إلى ان يعتذر حزب الأمة القومي، جراء الموقف المنحاز لمنصة الذي يعبر أشواق جماهير حزب الامة القومي ذلك الذي تبناه سعادة اللواء فضل الله برمة ناصر، رئيس الحزب، وقد اعتبر هذا الموقف جريمة تستحق الاستغفار من الشعب السوداني!
لكن، ما درى الرجل، وقد أثقل كاهله العمر، أن الأزمة الحقيقية للسودان لم تبدأ من موقف حزب الأمة القومي اي كانت، ولا من برمة أو البرير، بل من رحم تنظيم لا يزال عالقًا في أظفار الدولة، هو تنظيم الإخوان المسلمين، الذي فجّر حربًا ما تزال نيرانها تحصد أرواح الأبرياء، وتهتك البنية الوطنية، وتُعيد تشكيل السودان على مقاس عقول صغيرة، تشتاق ظل “دولة التمكين”، وثلاثينيتهم المعتمة.
اما النقائص فهي؛ ان الدعوة للاعتذار لا تكون ممن وقف مع الوطن، بل ممن أشعل فتيل الحرب. والدومة، الذي يطالب اليوم حزب الأمة بالاعتذار، يتغافل – عن عمد – أن آلة الحرب هذه، انطلقت بأمر “التنظيم”، لا بـ”تحرك الواثق”، ولا بـ”موقف برمة”. إنها الحرب التي اجتثت الروح الوطنية، فمزّقت الأقاليم، وهدمت القرى، وعمّقت الجراح التي لن تندمل بالكلام السائب.
كما إن هذه الحرب كذلك لم تنطلق بنية ردع أو إصلاح، بل كان قصدها الأول خلخلة النسيج الوطني، وضرب الحس الجمعي، لتظهر فئة مهزومة، تتباكى على عهد الطغيان، وتستلذ وهم “الاستقرار الأمني” في عهد البؤس الطويل.
الدومة، الذي ينكر على الآخرين وطنيتهم، يتناسى – وهو الذي عُيّن والياً على دارفور بقرار من حكومة حمدوك المدنية – أن من أطاح بهذه الحكومة هو الجيش نفسه، الذي يخدمه اليوم. فأي مفارقة أن يتقلد الرجل المنصب من حكومة مدنية، ثم يصطف مع من وأدها؟!
من موقعه كمحامٍ “عتيق”، كان الأوجب أن يُشهر راية العدل، لا راية العنصرية. فالقانون ليس مطيّة للاحتراب القبلي، ولا منصة لتصفية الحسابات التاريخية، بل هو روحٌ عليا تتسامى فوق العرق واللون والانتماء. لكن الدومة، مع كل زعمه القانوني، كان كمن باع عباءة العدالة في سوق الضغائن.
كذلك، لم يُعرف عن محمد عبدالله الدومة على مدى حياته أي أثر قانوني أو مرافعة عالمية تُذكر. بقي دائمًا حبيس نطاق القبيلة، يتغذى من رصيد أهله وتاريخهم، دون أن يسهم في تحويله إلى إنجاز قانوني دولي. ظل أسيرًا لذهنية “زيتنا في بيتنا”، فعزف عن المنابر الرفيعة، وآثر دفء العشيرة على برد الحقيقة.

اما المغائص في حديث الدومة تتجلى في انه باع دماء المساليت في سوق المقايضة السياسية،حين يتحدث الدومة عن أهلنا المساليت، يتحدث كأنما اكتشف فجأة حجم المأساة. لكنه يغفل – بل يتغافل – عن أن كثيرًا منهم قد زُج بهم إلى معركة خاسرة بترتيب استخباراتي من مخابرات الجيش، لم يكن هدفه النُصرة، بل الإبادة الهادئة، وتوريط الأبرياء في صراع لا يعرفون أسبابه.
لقد عاش الدومة بذاكرة مشوشة واستيعاب مبتور؛ ويبدو أن سنوات عمره لم تمنحه حصافة الإدراك، إذ فشل في فهم طبيعة الاستراتيجية التي مارستها حكومات المركز، لاسيما إبان حكم الإخوان، حيث كان الاستقطاب في دارفور سياسة ممنهجة، دُشِّن بها اصطناع العداء بين “العرب” و”الزرقة”، مصطلحٌ هو في حقيقته اختراع إخواني خبيث، لا يمت للحقيقة الدارفورية بصلة.
فالرجل بيع الكلام الرخيص في أسواق الغنائم؛ بدلًا من أن يقف عند معاني التوبة، ويراجع “ما فرّط في جنب الله”، اختار الدومة أن يُنادي الدنيا بأسماء متعددة: ثناءً لحمدٍ، أو شكرًا لحاكم، أو تزلفًا لسلطة. لقد عُرضت عليه الآخرة، فاختار العرض الزائل.
بعيدا عن ذلك، فالرجل رصيدٌ فارغ في ساحات القضايا القومية؛ فمنذ أن كان يمشي على اثنتين حتى شارف المشي على ثلاث، لم يُسجَّل لمحمد عبدالله الدومة موقفٌ مبدئي في قضايا البلاد الكبرى. تاريخه كله كان استثمارًا في “أرق المساليت”، وأربابهم، حتى خيّل للناس أن هذا الرجل لا يُتقن إلا التربح من أنين أهله، لا الذود عنهم.
من عجائب حديث الدومة، أن يطلب من فضل الله برمة ناصر الاعتذار عن موقفٍ وطنيّ، كان بحق انعكاسًا لتطلعات جماهير الأنصار، وبينهم قبيلة المساليت نفسها. إن موقف برمة ناصر مع التأسيس هو موقف تاريخي يحسب لصالح حزب الأمة القومي، فإن كان لهذا الحزب منذ تأسيسه عام 1945 موقف واحد يتباهى به امام الملأ لهو انحياز برمة ناصر لقواعد الحزب ومظلوميه في المدن والقرى على السواء.
ختامًا
حديث محمد عبدالله الدومة ليس مجرد “رأي”، بل مشهد من مشاهد الانحدار السياسي حين يتلبّس بثوب القانون. وهو – وإن دخل إلى الحوار متكئًا على عكاز العمر – خرج منه وقد أفصح عن جراحٍ لم تلتئم في نفسه، وحسابات لم تنتهِ في عقله، ومرارات لم تُصفَّ في ضميره.
إن صوت العقل لا يصدر من فمٍ يتحدث باسم القبيلة، بل من قلبٍ يسع الوطن. والدومة، في حديثه، أظهر نقائص في الرؤية، ومغائص في التقدير، ما جعلنا نرى فيه تمثالًا لرجلٍ لم يتصالح مع ماضيه، ولا اتسق مع حاضره، ولا يستحق أن يُرهق مستقبلنا بضجيجه.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.