جـذوة الفوضـى وأقنــعة الطــغاة

أ/سلـــيم محـــمــد عبداللــه

في زمن تتداخل فيه الأصوات وتختلط فيه الحقائق بالادعاءات، يصبح كشف جذور الخراب واجباً وطنياً لا يقلّ أهمية عن حماية التراب نفسه. فالسودان لم ينهَر فجأة، ولم تُشعَل الحرب بلا ملامح، بل جاءت كنتيجة طبيعية لمسار طويل من التمكين والابتزاز السياسي، وإعادة تدوير الفوضى بأدوات جديدة. وفي قلب هذا المسار تقف العقلية الكيزانية، التي ما تزال إلى اليوم ممسكَة بخيوط الأزمة، تحركها من خلف الكواليس كما لو أن الوطن مسرح واسع لسيناريوهات جاهزة، تُنفَّذ مهما كان الثمن.

ولعل أخطر ما في المشهد أن الشعارات التي كان يرفعها الكيزان قبل سقوطهم “إما نعود للحكم أو يذهب السودان إلى المجهول” تحولت إلى واقع يعيشه المواطن كل يوم، واقعٌ تختلط فيه الدماء بالتهجير، والخراب بالأمن المفقود، بينما يتوارى صانع الخراب خلف ضوضاء الحرب.

جــذور الحــرب ليــست وليــدة اللـحظة

منذ سقوط النظام السابق، ظلّ الكيزان يعملون بصمت وصخب في آن واحد. صمتٌ في التخطيط، وصخبٌ في بثّ خطاب التحريض ونشر الانقسام. لقد أعلنوا مبكراً أن السودان لن يستقر بدون عودتهم، وأن أي محاولة لإعادة بناء الدولة لن تنجح ما لم تسترجع شبكات التمكين نفوذها. ومع غياب المحاسبة، وتراخي بعض القوى المدنية، وجد الكيزان الفرصة للعودة إلى قلب المشهد من جديد.

انــدلاع الحــرب في 15 أبريل لم يكن شــرارة معزولة، بل كانت اللحظة التي خرجت فيها النوايا القديمة من الظل إلى العلن. فشبكاتهم داخل المؤسسات، وخطاباتهم التعبوية، ومشروعهم الأيديولوجي، كلها كانت جاهزة لالتقاط اللحظة المناسبة لإعادة إنتاج نفوذهم الذي انهار مع سقوط النظام.

شعاراتهــم التي تحــولت إلى أدوات حــرب

الشعار الأشهر “نعود للحكم ولو على جثث الشعب” لم يعد مجرد كلمات صادمة، بل أصبح عنواناً لسلوك كامل. فالمواطن هو من دفع الثمن الأكبر؛ نزوحاً، ودماراً، وحياة تُسحق تحت وطأة الفوضى. وما زال كثيرون يتجنبون تسمية الحقيقة باسمها، وكأن الخراب حدث بلا صانع، وكأن البلاد تفككت وحدها دون وجود من خطط وأدار وحرّض.

لقد استخدم الكيزان شعارات مثل “الدفاع عن الأرض والعرض” و“عرب الشتات” و“الاستنفار الإجباري” و“المليشيات” و“المرتزقة” كسلاح لتخويف المجتمع، ودفعه إلى القتال بالوكالة دون أن يسأل سؤالاً واحداً: من أشعل النار أولاً؟ ومن المستفيد من استمرارها؟

كلها كانت شعارات جوفاء، تُستخدم لإخضاع المواطن المقلوب على أمره، في زمن أصبحت فيه الوطنية نفسها تُدار خلف الكواليس، وتُخنق داخل اجتماعات سرية تُدار بعقلية عنصرية متخفية تحت أقنعة الانتماء والولاء.

المؤســسة العسكريــة الكيزانيــة جــوهــر الأزمــة

لا يمكن الحديث عن الحرب دون فهم كيف تم تفريغ المؤسسة العسكرية من دورها الوطني وتحويلها تدريجياً إلى مؤسسة ذات أيديولوجية سياسية. لقد عمل الكيزان عبر عقود على زرع منظومتهم داخل بنية الجيش، مانحين الولاء الحزبي أولوية على المهنية والانضباط، حتى أصبحت المؤسسة العسكرية نفسها ذات وجهين: وجهٌ وطني مُعلن، ووجهٌ حزبي يتحرك بقرارات لا تخدم السودان بل تخدم من يقف وراء الستار.

ومع وصول الحرب، ظهرت النتيجة الطبيعية لهذا التشوّه: تعدد الجيوش، تضارب الولاءات، تفكك القرار العسكري، وانعكاس كل ذلك في سياسات الدولة التي لم تعد تدار وفق ما يقتضيه الأمن القومي، بل وفق ما يخدم عودة منظومة الكيزان عبر مدخل الفوضى.

لقد تحوّل الجيش من مؤسسة وطنية إلى أداة حماية لمشروع سياسي مستبد، وبذلك أصبح السودان دولة خالية الوفاض، فيما المواطن هو الضحية الأولى، الذي يدفع ثمن انهيار المؤسسات التي يفترض أن تحميه.

الفــساد الوجــه الآخــر للحــرب

عندما تتحول المؤسسة العسكرية إلى بنية حزبية، يصبح الفساد نتيجة حتمية. فقد تم نهب الميزانيات المخصصة للدفاع التي تجاوزت 80% من ميزانية الدولة، دون أن ينعكس ذلك على حماية البلاد أو بناء جيش مهني قوي. الأموال التي يفترض أن تذهب للبلاد ذهبت إلى شبكات التمكين، وإلى مشاريع سياسية واقتصادية لا علاقة لها بالأمن. وهكذا أصبح الجيش كما أراده الكيزان مؤسسة تستثمر في السياسة، وفي الاقتصاد، وفي السلطة، بينما تترك الدولة تنهار من الداخل.

الاستــنفارحيــن يصــبح المــواطن وقـــوداً

بعد الفــشل في إدارة الحرب، بدأ خطاب جديد: “كل من يستطيع حمل السلاح فليتجه للقتال”. وهو خطاب يعكس العجز الكامل، لا القوة. فالجيوش لا تنتصر بالكثرة ولا بالشعارات، بل تنتصر بالعقيدة، والمشروعية، والثقة في القيادة. وهذه عناصر مفقودة في منظومة الحرب الحالية التي يديرها الكيزان، لأنها حرب بلا مشروع وطني، بلا وضوح، بلا هدف سوى إعادة تدوير السلطة.

القائد الصادق لا يحتاج إلى شعارات جوفاء، ولا يختبئ وراء واجهات إعلامية أو تحالفات خارجية. أما القائد الذي لا عهد له والذي انقلب على ثورة ديسمبر المجيدة فلا يستطيع أن يقود معركة تفرض تضحيات على شعب أُنهك من الخداع والنفاق.

ضــرورة كشــف الحقيـــقة

لا يمــكن للســودان أن يخرج من هذه الحرب ما لم يسمِّ الأشياء بأسمائها: الكيزان أشعلوا الفوضى، صنعوا الانقسام، وأعادوا توجيه مسار الدولة نحو الهاوية. تجاهل هذه الحقيقة هو دعوة لدوامة جديدة من الخراب، بينما الاعتراف بها هو الخطوة الأولى لاستعادة الدولة من قبضة الأيديولوجيا التي مزقت البلاد لعقود.

إن الخروج من الحرب يبدأ من لحظة الصدق، ومن الإيمان بأن الوطن أكبر من الشعارات، وأن مستقبل السودان لن يُبنى تحت ظل من دمّروا حاضره.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.