من السوق الموازي إلى البنوك… الحرب تعمق أزمة الجنيه السوداني وتفجر منظومة تسعير الدولار
تقرير: عين الحقيقة
تشهد الأسواق المالية في السودان تحولًا لافتًا في مشهد سعر الصرف، مع تسارع التراجع الحاد للجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية، وعلى رأسها الدولار الأمريكي، في وقت انتقلت فيه ديناميكية التسعير من السوق الموازي إلى داخل البنوك التجارية نفسها.
ويأتي هذا التحول في ظل استمرار الحرب التي عمّقت الاختلالات الاقتصادية، ودفعت الجهاز المصرفي إلى إعادة ضبط أسعار الصرف الرسمية بما يقترب من مستويات السوق غير الرسمية، في مشهد يعكس مرحلة جديدة من الاضطراب النقدي وعدم اليقين الاقتصادي.
ويعكس احتدام المعارك عمق الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد، كما يسلّط الضوء على تحولات لافتة في دور الجهاز المصرفي، الذي بات في قلب معادلة تسعير العملة بعد سنوات من هيمنة السوق غير الرسمية، وسط اتهامات متزايدة لحكومة بورتسودان بالعجز عن ضبط السياسة النقدية ووقف التدهور المتواصل في قيمة العملة الوطنية.
وخلال متابعات «عين الحقيقة» في الأيام الماضية، أقدمت بنوك سودانية بارزة في بورتسودان على رفع أسعار صرف الدولار داخل قنواتها الرسمية، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة لاحتواء الطلب المتزايد على النقد الأجنبي وتقليص الفجوة التاريخية بين السعر الرسمي والسعر الموازي، التي ظلت أحد أبرز مظاهر اختلال السياسة النقدية في البلاد.
وفي هذا الصدد، سجّل بنك أم درمان الوطني واحدة من أكبر القفزات في سعر بيع الدولار، إذ ارتفع من 2,570 جنيهًا إلى 3,627 جنيهًا خلال فترة وجيزة، بنسبة نمو قاربت 41%. وبعد هذه الزيادة الحادة، اتجه البنك إلى تعديل سعر الشراء بصورة تدريجية، حيث خُفض من 3,600 جنيهًا إلى 3,570 جنيهًا، ثم إلى 3,500 جنيهًا، في حين استقر سعر البيع في آخر نشرة عند 3,596.78 جنيهًا، في محاولة لتحقيق قدر من التوازن بين العرض والطلب داخل النظام المصرفي.
وبالتوازي مع ذلك، أعلن البنك السوداني الفرنسي رفع سعر الدولار من 2,639 جنيهًا إلى 3,556.57 جنيهًا، بزيادة بلغت 916.92 جنيهًا، أي ما يعادل نحو 34.7%.
واللافت في هذه الخطوة أن السعر المعلن تجاوز سعر السوق الموازي، الذي استقر عند نحو 3,550 جنيهًا، بفارق طفيف بلغ 6.57 جنيهات فقط، في سابقة تعكس انتقال مركز الثقل في تسعير العملة من السوق غير الرسمية إلى داخل البنوك.
وتشير مصادر مصرفية مطلعة لـ«عين الحقيقة» إلى أن بنوكًا أخرى، من بينها بنك الخرطوم، قد تتجه خلال الفترة المقبلة إلى اتخاذ خطوات مماثلة، في حال استمرت الضغوط على الجنيه وواصل الطلب على الدولار ارتفاعه، لا سيما في ظل محدودية المعروض من النقد الأجنبي.
ورغم هذه التحركات، لم تصدر حتى الآن أي تصريحات رسمية من بنك السودان المركزي توضّح موقفه من التعديلات الأخيرة… إلا أن مصرفيين يرون أن ما يجري يندرج ضمن إطار سياسة التعويم التي أُقرت منذ عام 2021، والتي تمنح البنوك التجارية هامشًا واسعًا لتحديد أسعار الصرف وفق تقديراتها لأوضاع السيولة ومستويات توفر العملات الأجنبية، في ظل غياب تدخل مباشر من البنك المركزي.
وفي الوقت الذي تتحرك فيه البنوك على هذا النحو، بلغ سعر الدولار في السوق الموازي، يوم 18 يناير 2026، نحو 3,750 جنيهًا للبيع و3,665 جنيهًا للشراء. كما شهدت بقية العملات الأجنبية ارتفاعات ملحوظة، إذ سُجّل نحو 1,000 جنيه للريال السعودي، و1,021.798 جنيهًا للدرهم الإماراتي، و4,411.7647 جنيهًا لليورو، و5,000 جنيه للجنيه الإسترليني، إضافة إلى 11,822.5 جنيهًا للدينار الكويتي، و9,600 جنيه للريال العُماني، و9,644.7368 جنيهًا للدينار البحريني.
وتعكس هذه المستويات استمرار التدهور الحاد للجنيه السوداني منذ أبريل 2023، حين كان الدولار يُتداول عند حدود 560 جنيهًا في السوق الموازي، قبل أن يقفز إلى 3,750 جنيهًا، بزيادة تتجاوز 570% خلال أقل من ثلاث سنوات، في واحدة من أسرع حالات فقدان القيمة للعملة الوطنية في تاريخ البلاد الحديث.
وتستند هذه المؤشرات إلى تقارير دولية، من بينها تقرير البنك الدولي بعنوان Sudan Economic Update – May 2025، الذي حذّر من آثار اقتصادية واجتماعية عميقة للصراع المستمر، مشيرًا إلى تآكل الدخول، واتساع رقعة الفقر، وضعف قدرة الدولة على إدارة الاقتصاد. كما توقعت تقديرات صندوق النقد الدولي أن يبلغ معدل التضخم في السودان نحو 118.9% خلال عام 2025، بعد أن لامس مستويات قاربت 200% في العام السابق.
وتعزز تقارير أخرى صادرة عن African Business وInternational Finance هذه الصورة القاتمة، إذ تشير إلى استمرار الضغوط على الاقتصاد السوداني نتيجة الحرب، وتراجع الإنتاج الزراعي والصناعي، وارتفاع تكاليف الاستيراد، إلى جانب التدهور الحاد في القدرة الشرائية للمواطنين.
وفي ظل هذه المعطيات، يرجّح متعاملون في سوق العملات أن يؤدي استمرار الحرب، وتراجع تحويلات السودانيين من الخارج، وارتفاع الطلب الموسمي على النقد الأجنبي قبيل شهر رمضان، إلى مزيد من الضغوط على الجنيه. وتذهب بعض التقديرات إلى احتمال وصول سعر الدولار إلى نحو 4,000 جنيه على المدى القريب، وربما 5,000 جنيه خلال العام المقبل، ما لم تحدث اختراقات جوهرية على صعيد الاستقرار السياسي والاقتصادي.
وتمثّل تحركات البنوك الأخيرة محاولة للتكيّف مع واقع اقتصادي شديد التعقيد، غير أن فعاليتها تظل محدودة ما لم تُدعَم بإصلاحات أوسع تشمل وقف النزاع، واستعادة الثقة في الجهاز المصرفي، وتعزيز موارد النقد الأجنبي. وحتى ذلك الحين، يبقى الجنيه السوداني رهينة لتقلبات السوق وضغوط الحرب، في انتظار حلول جذرية تعيد للاقتصاد حدًّا أدنى من الاستقرار.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.