طالما ارتبط اسم رجال الأعمال عبدالباسط حمزة (68 عاما) بالرئيس السوداني السابق عمر البشير وحزبه الحاكم المعروف بأيديولوجيته الإسلامية. وتبقى في ذاكرة كثير من السودانيين صورة لضابط القوات المسلحة وجهاز الأمن السابق عبد الباسط حمزة الحسن محمد خير، مبتسماً بزيه السوداني التقليدي. غير أن تلك الابتسامة تخفي، بحسب روايات عديدة، شبكة معقدة من الأنشطة المرتبطة بالفساد المالي وغسيل الأموال وتمويل جماعات جهادية وعمليات عابرة للحدود.
الولايات المتحدة أعلنت في وقت سابق عن مكافأة تصل إلى 10 ملايين دولار للإدلاء بأية معلومات عن نشاط عبد الباسط حمزة و 4 آخرين في تمويل حماس..
في تسعينيات القرن الماضي خرج عبد الباسط من دائرة العمل في محيط الإسلاميين المحليين إلى فضاء أوسع ارتبط بالجماعات الإسلامية العالمية، عندما بدأ العمل مع أسامة بن لادن عقب وصوله إلى الخرطوم. وخلال تلك الفترة تولّى الإشراف على إدارة جزء من أموال بن لادن واستثماراته داخل السودان، التي كانت تُدار عبر شركات ومشاريع متعددة. وكُلف، بحسب مصادر مطلعة، بمرافقة بن لادن خلال إقامته في الخرطوم، والإشراف على إدارة أمواله ومشاريعه، الأمر الذي أتاح له بناء شبكة علاقات مع شخصيات وتنظيمات إسلامية خارج السودان.
علاقته مع أبن لادن
لكن العلاقة بين بن لادن والسلطات السودانية انتهت بصورة مفاجئة عام 1996، حين طُلب منه مغادرة البلاد خلال مهلة قصيرة. وفي هذا السياق روت نسرين عبد الله، زوجة أبو حفص الموريتاني مفتي تنظيم القاعدة السابق، في برنامج وثائقي تفاصيل اللحظات الأخيرة لمغادرته السودان.
وقالت إن السلطات طلبت منه المغادرة خلال 48 ساعة فقط، ما اضطره للتوجه إلى مطار الخرطوم دون أن يتمكن من تصفية استثماراته أو ترتيب ممتلكاته. وأضافت أنه لم يكن بحوزته أي مبلغ مالي عندما كان متجهاً إلى طائرة الشحن الروسية التي أقلّته خارج البلاد، قبل أن يلتقيه ضابط أمن سوداني في مدرج المطار ويسلمه حقيبة تحتوي على 100 ألف دولار قائلاً له: «دبّر حالك بهذا المبلغ».
بعد مغادرة بن لادن، آلت أمواله واستثماراته داخل السودان- والتي قُدّرت بنحو 50 مليون دولار في ذلك الوقت – إلى جهات مرتبطة بالإسلاميين في الخرطوم، وتولت إدارتها شخصيات من داخل النظام، من بينها عبد الباسط حمزة..
أموال أبن لادن
وبعد مغادرة بن لادن، آلت أمواله واستثماراته داخل السودان- والتي قُدّرت بنحو 50 مليون دولار في ذلك الوقت – إلى جهات مرتبطة بالإسلاميين في الخرطوم، وتولت إدارتها شخصيات من داخل النظام، من بينها عبد الباسط حمزة. لاحقاً ظهر عبد الباسط بصفته مستثمراً يدير عدداً من الشركات التجارية. وتشير تقارير ووثائق إلى أن بعض تلك الشركات لعب دوراً في تمويل شبكات مرتبطة بالحركة الإسلامية داخل السودان، إضافة إلى ارتباطات مالية مع جماعات خارج الحدود. وتثير هذه الوقائع تساؤلات واسعة حول طبيعة الشبكات المالية التي نشأت في السودان خلال تلك الحقبة، والدور الذي لعبته في تمويل التنظيمات المرتبطة بالحركة الإسلامية إقليمياً ودولياً.
تمويل الارهاب
ألقي القبض على حمزة في القاهرة 15 من يناير وذكرت تقارير صحفية أن القبض على حمزة يتعلق بـ”مواجهة الفساد ومراقبة الأسواق بشأن تعاملاته في تعدين وتجارة الذهب في مصر”، بينما ذكر مراقبون أن توقيفه وقتها، مرتبط “بتمويل الإرهاب”، إذ تتهمه الولايات المتحدة بتقديم تمويل إلى حركة حماس. ورصدت الولايات المتحدة مكافأة مالية لمن يرشد عنه إذ وصفته بأنه أحد ممولي حركة حماس. وقالت الخارجية الأمريكية إن حمزة من بين من صنفتهم واشنطن كإرهابيين عالميين. وأوضحت أنه زود حركة حماس بحوالي 20 مليون دولار.
عقوبات مالية
بعد مرور بضعة أيام على هجمات السابع من أكتوبر التي شنتها حركة حماس على إسرائيل، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات مالية على عشرة أشخاص وصفتهم بأنهم إما أعضاء أو ممولين لحركة حماس التي صنفتها حركة إرهابية. وكان حمزة من بين هؤلاء الأشخاص. وقالت إن حمزة وفر تمويلا لحماس من خلال شبكة ضخمة من الشركات في السودان التي استخدمها لغسيل الأموال وإمداد حماس بالمال. وطالت العقوبات أربعة من شركاته التي تم تصنيفها ككيانات إرهابية، ومنها “مجموعة زوايا للتنمية والاستثمار” وشركة “لاري كوم للاستثمار”.
واتهمت وزارة الخزانة الأمريكية حمزة بالارتباط بتاريخ طويل من تمويل الحركات الإرهابية مشيرة لما وصفته بعلاقاته التاريخية بتنظيم القاعدة والشركات التابعة لأسامة بن لادن في السودان. وكان بن لادن، الزعيم السابق لتنظيم القاعدة، أقام في السودان لبضع سنوات خلال التسعينيات، إبان حكم الرئيس السوداني السابق عمر البشير.
حمزة كان يمتلك حصصا في شركة (ماتز) القابضة القبرصية التي تمتلك حق استغلال اثنين من مناجم الذهب في مصر..
تحقيق دولي
وأظهر تحقيق أجراه الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين وشاركت فيه شبكة “شومريم” الإسرائيلية للصحافة الاستقصائية، أن حمزة كان يمتلك حصصا في شركة (ماتز) القابضة القبرصية التي تمتلك حق استغلال اثنين من مناجم الذهب في مصر. وكشف التحقيق، أن حمزة باع جزءا كبيرا من أسهمه في شركة (ماتز) قبل يوم من الإطاحة بـ”صديقه” عمر البشير، لكنه لايزال يمتلك حصة عشرة بالمئة من أسهم الشركة. كما يمتلك حمزة شركة عقارات إسبانية طالتها عقوبات وزارة الخزانة الأمريكية مؤخرا. واستند التحقيق إلى ما يقارب أربعة ملايين وثيقة عُرفت “بتسريبات قبرص السرية” وخضعت للتحليل على يد الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين بالتعاون مع نحو سبعين كيانا إعلاميا.
ثورة ديسمبر
وعقب الإطاحة بالبشير في أبريل عام 2019، ألقي القبض على حمزة في السودان ليصدر حكم بحقه بالسجن لمدة عشر سنوات إثر اتهامات متعددة تتعلق بالفساد. وقالت الصحافة السودانية إن لجنة إزالة التمكين، التي كانت مكلفة باسترداد الأصول المالية لرجال عمر البشير وحزب المؤتمر الوطني الحاكم، قدرت ثروة حمزة بأكثر من ملياري دولار. لكن ما أن وقع الانقلاب العسكري الذي أطاح بالقوى المدنية في السودان عام 2021 حتى خرج حمزة من السجن.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.