بين الشهادات وصمت الجيش: انتهاكات كتائب البراء في مدني والخرطوم

تقرير: عين الحقيقة

كشفت روايات حصلت عليها «عين الحقيقة» من ناشطين حقوقيين وشهود عيان وناجين من مناطق مختلفة في البلاد عن سلسلة من الانتهاكات التي ارتكبتها كتائب البراء بن مالك، الجناح العسكري المرتبط بالحركة الإسلامية، وذلك خلال فترات التصعيد العسكري بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في عامي 2024 و2025. وقد تركزت هذه الانتهاكات- بحسب الشهادات في ولاية الجزيرة والخرطوم، إضافة إلى مناطق في غرب كردفان، خاصة في قرى قبيلة الحوازمة.

مدينة ود مدني وعدداً من قرى ولاية الجزيرة شهدت حوادث قتل استهدفت مدنيين بعد اتهامهم بالتعاون مع أطراف في الصراع..

وطبقاً للإفادات التي جمعتها «عين الحقيقة»، تحدث شهود وناشطون عن وقائع تضمنت إعدامات ميدانية لمدنيين خارج إطار القانون، إلى جانب ممارسات وصفوها بالقاسية، شملت التمثيل بالجثث والتنكيل بالضحايا في عدد من المناطق التي شهدت عمليات عسكرية خلال تلك الفترة. وأشارت مصادر ميدانية تحدثت لـ«عين الحقيقة» إلى أن مدينة ود مدني وعدداً من قرى ولاية الجزيرة شهدت حوادث قتل استهدفت مدنيين بعد اتهامهم بالتعاون مع أطراف في الصراع. وقالت المصادر إن تلك الحوادث وقعت في ظل غياب أي إجراءات قضائية أو تحقيقات رسمية، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة بين السكان المحليين. وقال ناشط حقوقي فضل حجب اسمه لـ«عين الحقيقة»، ويعمل ضمن شبكة محلية لتوثيق الانتهاكات، إن فرق الرصد التابعة للشبكة تلقت خلال تلك الفترة عشرات البلاغات من سكان في ولاية الجزيرة.

وأضاف أن المعلومات التي جُمعت آنذاك أشارت إلى أن بعض الضحايا تم توقيفهم في نقاط تفتيش أو داخل قراهم، قبل أن يتم إعدامهم ميدانياً بعد اتهامهم بالتعاون مع قوات معادية، دون أن تُمنح لهم فرصة للدفاع عن أنفسهم أو المثول أمام أي جهة قضائية. وفي مدينة ود مدني، التي شهدت تحولات عسكرية متسارعة خلال تلك المرحلة، روى أحد الناجين «ف.م.ع» تفاصيل ما قال إنها حملات اعتقال نفذتها مجموعات مسلحة كانت ترتدي زياً عسكرياً وتحمل شعارات كتائب البراء بن مالك.

وقال الناجي في شهادته لـ«عين الحقيقة: كانت تلك المجموعات تداهم المنازل وتقتاد أشخاصاً بعد اتهامهم بالتعاون مع العدو. وتابع: بعض الذين تم اعتقالهم في تلك الحملات اختفوا لساعات أو أيام، قبل أن يُعثر لاحقاً على جثث بعضهم في أطراف المدينة أو في مناطق زراعية قريبة. كما نقلت «عين الحقيقة» عن سكان في قرى مختلفة بولاية الجزيرة روايات مشابهة، حيث أكد عدد منهم أن الضحايا كانوا في الغالب من المدنيين الذين لم يكونوا منخرطين في القتال.

أفاد ناشطون بأن بعض سكان بحري تحدثوا عن اختفاء أشخاص بعد اعتقالهم على يد مجموعات مسلحة، قبل أن يُعثر لاحقاً على جثث في مناطق مهجورة..

وقال أحد وجهاء القرى إن تلك الأحداث خلقت حالة واسعة من الخوف بين الأهالي، الأمر الذي دفع عدداً كبيراً من الأسر إلى مغادرة قراهم والنزوح نحو مناطق أكثر أمناً. وفي ولاية الخرطوم، أشارت روايات أخرى إلى أن مناطق في الخرطوم بحري والحلفايا شهدت بدورها انتهاكات واسعة لناشطين بالمجتمع المدني ومتطوعين في غرف الطوارئ خلال سيطرة الجيش السوداني للخرطوم.

وأفاد ناشطون بأن بعض سكان بحري تحدثوا عن اختفاء أشخاص بعد اعتقالهم على يد مجموعات مسلحة، قبل أن يُعثر لاحقاً على جثث في مناطق مهجورة. وقال أحد العاملين في مجال الإغاثة، في إفادة نقلتها «عين الحقيقة»، إن عدداً من الشهود تحدثوا آنذاك عن العثور على جثث لمدنيين ظهرت عليها آثار تعذيب أو تمثيل بالجثث، وفق ما ورد في شهاداتهم.

وأكد مدافعون عن حقوق الإنسان أن مثل هذه الانتهاكات، في حال ثبوتها، تمثل خرقاً خطيراً للقانون الدولي الإنساني، الذي يحظر استهداف المدنيين أو تنفيذ الإعدامات خارج نطاق القضاء. كما شددوا على أن عمليات التمثيل بالجثث تعد من الانتهاكات الجسيمة التي تجرمها القوانين الدولية.

وقال أحد المحامين الذين عملوا على توثيق جرائم الحرب، لـ«عين الحقيقة»، إن شهادات الشهود والناجين التي جُمعت في تلك الفترة، إلى جانب الصور والمقاطع المصورة التي جرى تداولها، يمكن أن تشكل مستقبلاً جزءاً من ملفات قانونية تُستخدم في التحقيقات الدولية المتعلقة بالانتهاكات في السودان. وأضاف أن توثيق مثل هذه الوقائع كان ولا يزال أمراً مهماً، لأن العدالة قد تتأخر لكنها لا تسقط بالتقادم.. فجمع الأدلة وحفظ شهادات الضحايا والناجين يظل خطوة أساسية لأي مسار قانوني مستقبلي.

في المقابل، أشار مراقبون إلى أن الظروف الأمنية المعقدة التي كانت سائدة خلال تلك الفترة، إضافة إلى صعوبة الوصول إلى بعض المناطق، جعلت من التحقق المستقل من جميع الروايات أمراً بالغ الصعوبة. ورغم هذه التحديات، أكد ناشطون حقوقيون أن حجم الشهادات التي جرى توثيقها في ذلك الوقت كان يستدعي تحركاً دولياً أوسع للتحقيق في الانتهاكات التي شهدتها مناطق مختلفة من السودان، خصوصاً في ولاية الجزيرة وأجزاء من الخرطوم.

منظمات حقوقية، في تقارير تناولت انتهاكات كتائب البراء بن مالك، أن ما ورد في هذه الشهادات يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة الدور الذي لعبته هذه الكتائب خلال سنوات الحرب..

كما دعا ناشطون في المجتمع المدني إلى ضرورة حماية المدنيين وإبعادهم عن دائرة الصراع، مشيرين إلى أن استمرار الانتهاكات خلال تلك الفترة ساهم في تعميق الأزمة الإنسانية التي شهدتها البلاد. وكانت البلاد قد شهدت خلال الأعوام الثلاثة الماضية واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخها الحديث، حيث أدى الصراع المسلح إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا ونزوح ملايين المدنيين داخلياً وخارجياً، وسط تقارير متزايدة عن انتهاكات ارتكبتها أطراف مختلفة في النزاع.

وفي ختام شهادته لـ«عين الحقيقة»، قال أحد الناجين من الأحداث التي شهدتها ولاية الجزيرة إن ما حدث ترك جروحاً عميقة في ذاكرة السكان. وأضاف: كنا نعيش أياماً صعبة جداً.. كثير من الناس فقدوا أقاربهم أو جيرانهم.. ما حدث لن يُنسى، وكان الناس يأملون فقط أن تُعرف الحقيقة وأن تتم محاسبة المسؤولين يوماً ما.

وترى منظمات حقوقية، في تقارير تناولت انتهاكات كتائب البراء بن مالك، أن ما ورد في هذه الشهادات يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة الدور الذي لعبته هذه الكتائب خلال سنوات الحرب، وحول مدى خضوعها لأي مساءلة قانونية أو عسكرية من قبل الجيش السوداني. كما يشير ناشطون إلى أن استمرار الصمت الرسمي في بورتسودان إزاء هذه الاتهامات، خصوصاً من قيادة الجيش السوداني وعلى رأسها الفريق عبد الفتاح البرهان، قد ساهم في تعميق المخاوف من الإفلات من العقاب.

وبالنسبة لكثير من الضحايا وذويهم، فإن العدالة لا تعني فقط توثيق ما حدث، بل أيضاً الاعتراف بالانتهاكات وفتح تحقيقات مستقلة تكشف الحقيقة وتحدد المسؤوليات.. فبالنسبة لهم، تبقى الذاكرة مثقلة بصور تلك الأحداث، فيما يظل السؤال الأكبر معلقاً: متى ستتم محاسبة من ارتكب هذه الجرائم بحق المدنيين؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.