في تطور ميداني لافت يعكس تحولات عميقة في مسار الحرب في البلاد برزت جبهة النيل الأزرق كأحد أبرز مسارح التغيير العسكري والسياسي، بعد إعلان قوات تحالف السودان التأسيسي «تأسيس» تحقيق تقدمات ميدانية وُصفت بأنها مفصلية.
وبحسب مراقبين، فإن هذه التطورات لا تعكس مجرد مكاسب عسكرية، بل تشير إلى إعادة تشكيل موازين القوى على نحو يتجاوز الحسابات التقليدية، ويُضعف بشكل متزايد خطاب التيار الإسلامي الذي ظل يراهن على استعادة السيطرة عبر أدوات الحرب.
فتح جديد وترقّب للتغيير
وفي السياق، اعتبر سليمان صندل حقار، وزير الداخلية بحكومة السلام ورئيس حركة العدل والمساواة السودانية، أن سيطرة قوات «تأسيس» على مناطق في النيل الأزرق تمثل فتحًا جديدًا للشعب السوداني، الذي ظل، بحسب تعبيره، يترقب لحظة التغيير. وأوضح صندل أن القوات تمكنت من تحرير مناطق البركة والكيلي ومقجة، وصولًا إلى الكرمك، مؤكدًا أن العمليات تتجه نحو الدمازين في إطار خطة متدرجة لاستعادة السيطرة.
الميدان والسياسة
تعكس تصريحات صندل خطابًا سياسيًا يسعى إلى ربط التقدم العسكري بمشروع وطني أوسع، يقوم على إنهاء هيمنة ما وصفه بنظام “الكيزان”، في إشارة إلى التيار الإسلامي الذي حكم السودان لسنوات طويلة. هذا الربط بين الميدان والسياسة يمنح تحالف “تأسيس” دفعة معنوية، خاصة في ظل تراجع الثقة الشعبية في الأطراف المرتبطة بالإسلاميين.
التيار الإسلامي يقلل من أهمية المكاسب
وفي المقابل، سارع التيار الإسلامي إلى التقليل من أهمية هذه المكاسب، حيث اعتبر الصحفي الإسلامي عبدالماجد عبدالحميد أن ما حدث في منطقة مغجة لا يعدو كونه اختراقًا محدودًا، مشيرًا إلى أن المنطقة محطة دفاعية صغيرة، وستعود، على حد قوله، إلى سيطرة الجيش. كما ذهب عبدالماجد إلى أبعد من ذلك بطرح رواية تتحدث عن تدخلات خارجية، متهمًا أطرافًا إقليمية بدعم العمليات العسكرية في المنطقة.
غير أن هذا الخطاب، الذي يركز على “المؤامرة الخارجية”، بات يواجه انتقادات متزايدة، خاصة مع عجزه عن تفسير التراجع الميداني المستمر.
أزمة داخل التيار الإسلامي
ويرى مراقبون أن اللجوء إلى هذا النوع من التبريرات يعكس أزمة حقيقية داخل التيار الإسلامي، الذي فقد الكثير من أدواته السياسية والعسكرية، وأصبح يعتمد على خطاب تعبوي لا يجد صدى واسعًا في الشارع السوداني.
ومن زاوية تحليلية أوسع، تشير مستشارة مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية والخبيرة في الشؤون الأفريقية، د. أماني الطويل، إلى أن ما يجري في السودان لم يعد صراعًا داخليًا، بل أصبح جزءًا من شبكة معقدة من التفاعلات الإقليمية والدولية. وتلفت إلى أن تداخل الملفات، من أمن البحر الأحمر إلى صراعات النفوذ في المنطقة، جعل من السودان ساحة تقاطع لمصالح متعددة، ما يزيد من تعقيد مسارات الحل.
دلالات تتجاوز التعقيد
وبالتالي، فإن التطورات في النيل الأزرق تحمل دلالات تتجاوز هذا التعقيد، إذ تعكس، بحسب مراقبين، صعود قوى جديدة تسعى لإعادة تعريف المشهد السياسي بعيدًا عن ثنائية الجيش والإسلاميين. ويبدو أن تحالف “تأسيس” يحاول تقديم نفسه كبديل قادر على الجمع بين العمل العسكري والرؤية السياسية، مستفيدًا من حالة السخط الشعبي تجاه التجارب السابقة.
اختبار حقيقي لمستقبل السودان
ويبدو أن معركة النيل الأزرق لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمستقبل السودان السياسي. وبينما يواصل تحالف «تأسيس» تعزيز مواقعه، يتراجع خطاب الإسلاميين تدريجيًا تحت وطأة الواقع الميداني، ما يفتح الباب «مواربًا» أمام مرحلة جديدة قد تعيد تشكيل الدولة السودانية على أسس مختلفة، أكثر ارتباطًا بتطلعات الشارع وأقل خضوعًا لهيمنة الأيديولوجيا.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.