الحقائق التي لا يعرفها كثير من السودانيين أن صحيفة الانتباهة، التي لعبت دورًا بارزًا في تأجيج خطاب الكراهية وتهيئة المناخ لانفصال جنوب السودان، لم تكن مجرد فكرة صحفية شخصية للطيب مصطفى كما يُروَّج.
في الواقع، نشأ هذا المشروع برعاية وتدبير وإشراف مباشر من دوائر داخل المؤسسة العسكرية والأمنية، وبمتابعة ومباركة مباشرة من الرئيس المخلوع عمر البشير.
لم تكن الصحيفة مجرد منصة إعلامية، بل كانت جزءًا من مشروع سياسي وإيديولوجي أوسع. فقد عملت بشكل منهجي على ترسيخ تصور إقصائي للهوية السودانية، يقوم على معادلة بسيطة وخطيرة:
إما أن تكون عربيًا مسلمًا وفق تعريفها الضيق، أو أنك خارج إطار الانتماء والاعتراف.
وفي السياق نفسه ظهر ما يسمى بمنبر السلام العادل، الذي لم يكن في جوهره كيانًا سياسيًا مستقلاً كما حاول أن يقدم نفسه، بل كان إحدى الواجهات التي استخدمتها الحركة الإسلامية لبث خطابها العنصري والتحريضي ضد الآخر.
ولعل واحدة من الحكايات الكاشفة لطبيعة هذا المشروع وردت خلال خلاف وقع بين الطيب مصطفى وأحد قيادات المؤتمر الوطني آنذاك. فقد قال له القيادي بوضوح ومن دون مواربة:
> “أنت صدقت نفسك أن لديك حزبًا مستقلًا. كل ندواتك نحن من نحضر لها الجماهير، وأغلبهم من جهاز الأمن والمخابرات.”
لكن الرواية الأكثر دلالة جاءت على لسان أحد الأشخاص الذين انخدعوا في البداية بفكرة منبر السلام العادل قبل أن يكتشف لاحقًا طبيعة المشروع العنصرية.
يحكي الرجل أنه خلال الاجتماع الذي عُقد لإعلان المنبر كحزب سياسي وإطلاق صحيفة الانتباهة، حدث أمر لافت. ففي منتصف الاجتماع وقف رجل في مؤخرة القاعة، كان قد لف وجهه بشال، ثم بدأ في نزعه وهو يتقدم نحو منتصف القاعة.
وعندما انكشف وجهه، اتضح أنه مندور المهدي، الذي كان وقتها مستشارًا للرئيس المخلوع عمر البشير.
قال لهم بوضوح:
“جئتكم برسالة من الرئيس: امضوا في مشروعكم إلى النهاية… الرئيس يقف خلفكم.”
منذ ذلك الوقت، حظيت صحيفة الانتباهة بما يمكن وصفه بأوسع دعم رسمي عرفته صحيفة في تاريخ السودان.
فقد تلقت دعمًا حكوميًا مباشرًا عبر الإعلانات والاشتراكات الحكومية، بل وصل الأمر إلى توزيع مجاني واسع النطاق.
ومن بين أكثر الوقائع دلالة أن الحكومة كانت تدفع ثمن عشرة آلاف نسخة يوميًا توزع مجانًا على طلاب الجامعات، وعلى رأسها جامعة الخرطوم.
لم يكن ذلك مجرد دعم إعلامي، بل جزءًا من مشروع لتغذية خطاب الكراهية وسط الأجيال الشابة.
من خطاب الكراهية إلى حرب اليوم
إن استحضار هذه الوقائع ليس استغراقًا في الماضي، بل لفهم ما يجري اليوم.
فالحرب الحالية كشفت بوضوح أن العقلية التي غذت خطاب الانقسام والعنصرية لسنوات ما زالت تحكم جزءًا من القرار السياسي والعسكري في البلاد.
ويتجلى ذلك بوضوح في طريقة التعامل مع المناطق الخارجة عن سيطرة سلطة بورتسودان، خصوصًا دارفور وكردفان، التي تُصنَّف باعتبارها حواضن اجتماعية لقوات الدعم السريع.
في هذه المناطق تم:
وقف كثير من الخدمات الأساسية
تعطيل النظام التعليمي لسنوات
إضعاف الخدمات الصحية
عزلها إداريًا واقتصاديًا
بل إن تغيير العملة تم بطريقة جعلت تلك المناطق عمليًا خارج الدورة الاقتصادية الرسمية.
والنتيجة أن نحو 260 ألف طالب وطالبة حُرموا من التعليم طوال أربع سنوات متتالية، دون تقديم حلول حقيقية تعالج الأزمة.
يقول الصديق القانوني عبد الرحمن القاسم إن حرمان أي مجموعة بشرية من التعليم والصحة لفترة طويلة قد يدخل ضمن الأفعال التي يدرسها القانون الدولي في إطار جرائم الإبادة الجماعية أو السياسات التمييزية المنظمة.
خطر الانفصال الثاني
ما يجري اليوم قد يقود السودان إلى خطر لا يقل عن مأساة انفصال الجنوب.
فالإصرار على استمرار الحرب، مع عزل مناطق كاملة من الخدمات الأساسية، يفتح الباب تدريجيًا أمام انفصال وجداني وإداري بين أجزاء البلاد.
بعبارة أكثر صراحة:
إن السياسات التي تنتهجها سلطة بورتسودان قد تدفع البلاد، من حيث تدري أو لا تدري، نحو تفكك جديد قد يبدأ فعليًا من دارفور وكردفان.
التعليم… المعركة الأكثر خطورة
في هذا السياق، تصبح قضية التعليم واحدة من أخطر الملفات الوطنية.
فحرمان مئات الآلاف من الطلاب من الدراسة لا يمثل فقط أزمة إنسانية، بل تهديدًا مباشرًا لمستقبل البلاد ووحدتها.
ولهذا فإن ما تحاول القيام به حكومة السلام في معالجة هذا الملف، خصوصًا فيما يتعلق بطلاب الشهادة السودانية، يمثل خطوة ضرورية يجب أن تُدار بأقصى درجات المسؤولية.
لكن نجاح هذه الخطوة يتطلب:
الاستعانة ببيوت خبرة تعليمية وقانونية
ضمان الاعتراف بالشهادات محليًا ودوليًا
بناء حلول مؤسسية طويلة المدى لا معالجات مؤقتة
فالتعامل مع هذا الملف لا ينبغي أن يكون سياسيًا أو ارتجاليًا، بل يجب أن يتم وفق أسس قانونية وإدارية دقيقة تضمن حقوق الطلاب ومستقبلهم.
ما يجب إدراكه
إن معالجة قضية التعليم في مناطق الحرب ليست مجرد مسألة خدمية، بل خطوة أساسية لمنع الانفصال النفسي والوجداني بين أجزاء السودان.
فالدولة التي تفشل في تعليم أبنائها، تفشل في الحفاظ على وحدتها.
نواصل…
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.