تتسع رقعة الحرب في السودان، ويتعمق النزيف الإنساني يوماً بعد يوم، بينما يراقب السودانيون بصمتٍ ثقيل تأخر الأدوار الدولية، وعلى رأسها “الرباعية”، في حسم ملف الصراع أو حتى دفعه نحو تسوية جادة. هذا التأخر لم يعد مجرد بطء دبلوماسي، بل أصبح جزءاً من الأزمة نفسها، يطرح أسئلة مشروعة حول الإرادة السياسية، وأولويات المجتمع الدولي.
الرباعية، التي يُفترض أن تكون لاعباً مؤثراً في إدارة الأزمة السودانية، بدت في كثير من الأحيان مترددة، تكتفي بالبيانات والدعوات العامة دون أدوات ضغط حقيقية تُجبر الأطراف على الانخراط في مسار سياسي واضح. ربما يعود ذلك إلى تعقيد المشهد السوداني، وتداخل المصالح الإقليمية، لكن هذا لا يبرر غياب الحسم في لحظة يحتاج فيها السودان إلى تدخل فاعل لا يحتمل التأجيل.
في المقابل، يبرز سؤال آخر أكثر حساسية: هل يمكن أن يسهم تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كتنظيم إرهابي في تسريع حل الأزمة؟
الإجابة ليست بسيطة. فمن جهة، يرى البعض أن هذا التصنيف قد يُضعف شبكات النفوذ المرتبطة بالنظام السابق، ويحد من قدرتها على التأثير في مسار الحرب وإطالة أمدها. لكنه، من جهة أخرى، قد يدفع إلى مزيد من التعقيد إذا لم يُدار ضمن إطار سياسي شامل، لأن إقصاء أي طرف دون بدائل واضحة قد يفتح الباب أمام أشكال جديدة من الفوضى أو العمل السري.
الأزمة في السودان ليست فقط صراعاً عسكرياً، بل هي نتيجة تراكمات سياسية واقتصادية عميقة، لعبت فيها قوى متعددة أدواراً متشابكة. لذلك، فإن اختزال الحل في تصنيف أو إجراء واحد، مهما كان مهماً، قد لا يكون كافياً لإنهاء الحرب، ما لم يُصاحب برؤية متكاملة لإعادة بناء الدولة.
أما على المستوى الدولي، فلا يمكن تجاهل تأثير انشغال العالم بأزمات أخرى، وعلى رأسها التوترات في منطقة الخليج. هذه الصراعات تستحوذ على الاهتمام السياسي والإعلامي، وتعيد ترتيب أولويات القوى الكبرى، ما يجعل الملف السوداني يتراجع في سلم الاهتمامات، رغم فداحة الكارثة الإنسانية فيه.
هذا التراجع لا يعني غياب الوعي بحجم المأساة، لكنه يعكس واقعاً دولياً قاسياً، تُدار فيه الأزمات وفق موازين المصالح لا حجم المعاناة. وهنا يدفع السودان ثمن موقعه الهش في خارطة الاهتمام الدولي، حيث لا يملك ما يكفي من أدوات الضغط لفرض قضيته على الأجندة العالمية.
في النهاية، يبقى السؤال الأهم: من يملك قرار إنهاء الحرب؟ هل هو الخارج الذي يتأخر، أم الداخل الذي ينقسم، أم قوى خفية ترى في استمرار الصراع فرصة لإعادة تشكيل السلطة؟
الحقيقة المؤلمة أن تأخر الحل ليس قدراً، بل نتيجة خيارات. وأن إنهاء الحرب يبدأ حين تتقاطع إرادة الداخل مع ضغط الخارج، في لحظة تعلو فيها مصلحة الوطن على كل الحسابات. إلى أن يحدث ذلك، سيبقى السودان عالقاً بين صمت الرباعية، وانشغال العالم… وصوت الحرب الذي لا يتوقف.
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.