قراءة في مآلات “التحالفات الضرورية” وصراع البقاء السوداني …
في أروقة السياسة العربية يظل مصير الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح “شبحاً” يطارد الحكام الذين يخوضون غمار التحولات العاصفة عبر تحالفات تكتيكية مع خصوم الأيديولوجيا أو السلاح. مؤخراً أثار الطرح الذي قدمه د. عزام عبدالله تساؤلاً جوهرياً حول ما إذا كان الفريق أول عبدالفتاح البرهان يسير بوعي أو بدونه نحو “نهاية يمنية” مشابهة فهل تتطابق المقدمات لتؤدي حتماً إلى ذات النتائج؟
فخ “التحالف مع الضد”
وجه الشبه الأبرز الذي يرتكز عليه هذا التحليل هو طبيعة التحالفات الانتهازية. علي عبدالله صالح تحالف مع “الحوثيين” (خصوم الأمس) لضرب خصومه في حزب الإصلاح والجنرال علي محسن الأحمر ظناً منه أنه “يرقص على رؤوس الثعابين” وبمقدوره احتواء الطموح العقائدي للحوثيين.
في المقابل يرى مراقبون أن البرهان وجد نفسه في خضم حرب استنزاف فرضت عليه الاستعانة بكتل “الحركة الإسلامية” والمقاومة الشعبية لسد الفجوة في ميزان القوى الأرضي ضد قوات الدعم السريع. وجه الخطورة هنا يكمن في السؤال من يستخدم مَن؟ هل البرهان هو القائد الذي يوظف هذه القوى أم أن هذه القوى هي التي توفر له الغطاء الشرعي مؤقتاً لتمرير أجندتها الخاصة؟
معضلة “الخروج الآمن” والقرار السيادي
عاش علي عبدالله صالح سنواته الأخيرة وهو يبحث عن معادلة تضمن له البقاء السياسي أو الخروج الآمن دون محاسبة وهو ما جعله يناور بين المبادرة الخليجية والتمرد العسكري.
البرهان اليوم يواجه معضلة مشابهة؛ فالضغوط الدولية (منبر جدة، الرباعية وغيرها) تضغط باتجاه تسوية سياسية تعيد العسكر إلى الثكنات بينما القوى التي تقاتل معه على الأرض ترفض أي تفاوض قد يفضي إلى استبعادها. إذا قرر البرهان المضي في تسوية سياسية لا ترضى عنها القوى “الراديكالية” الداعمة له فقد يجد نفسه في مواجهة مباشرة مع حلفاء “الخندق الواحد” تماماً كما حدث لصالح حين حاول فك الارتباط مع الحوثيين في ديسمبر 2017.
المؤسسة العسكرية مقابل الميليشيا
ثمة فارق جوهري قد يغير النتائج؛ علي عبدالله صالح اعتمد على “الحرس الجمهوري” الذي كان ولاؤه عائلياً وشخصياً وعندما انهار هذا الولاء أو تشتت أصبح لقمة سائغة. أما الفريق اول البرهان فيستند إلى “القوات المسلحة السودانية” كجهاز مؤسسي غارق في القدم وله عقيدة مؤسسية راسخة.
ومع ذلك فإن “السودنة” الحالية للصراع وإقحام المجموعات المسلحة والمستنفرين قد يضعف “مركزية القرار” داخل الجيش. التخوف الذي يطرحه د. عزام عبدالله ينبع من فكرة أن تعدد مراكز القوى داخل معسكر البرهان قد يؤدي إلى لحظة “انفجار داخلي” إذا ما تضاربت المصالح الاستراتيجية بين القيادة العسكرية والقوى السياسية المساندة لها.
المتغير الإقليمي اللاعب الخفي
في الحالة اليمنية كانت القوى الإقليمية قد رفعت يدها عن صالح بعد أن تجاوز خطوط اللعبة الحمراء. في السودان تظل المواقف الإقليمية متذبذبة؛ فبينما يبحث البعض عن استقرار تقوده المؤسسة العسكرية يخشى آخرون من عودة “الإسلاميين” عبر بوابة البرهان. إذا استشعر المجتمع الدولي أن البرهان أصبح مجرد واجهة لعودة نظام البشير فقد ترفع الحماية الدبلوماسية عنه مما يجعله مكشوفاً تماماً أمام خصومه في الداخل.
رغم إغراء المقارنة التاريخية إلا أن السودان يمتلك تعقيدات ديموغرافية وجغرافية تختلف عن اليمن. نهاية علي عبدالله صالح كانت نتيجة مأساوية لرهان فاشل على قدرته على التحكم في “حليف عقائدي” أكثر تنظيماً وشراسة.
البرهان اليوم يقف أمام مفترق طرق:
إما استعادة “الدولة الوطنية” والسيطرة الكاملة على السلاح وهو ما يتطلب شجاعة في فك الارتباط مع القوى الراديكالية وتشكيل جبهة عريضة.
أو الاستمرار في استراتيجية “توازن الرعب” بين الحلفاء والخصوم وهي الاستراتيجية التي أثبتت التجربة اليمنية أنها قد تنتهي برصاصة من “حليف الأمس” قبل “خصم اليوم”.
توقعات د. عزام عبدالله ليست مجرد نبوءة بل هي تحذير سياسي من مغبة الانزلاق في ذات الثقوب السوداء التي ابتلعت أنظمة سابقة ظنت أنها تملك خيوط اللعبة بينما كانت اللعبة قد تجاوزتها بالفعل.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.