صباح الخير يا عادل… نعم، لقد استيقظت أخيراً.
لكن، دعني أقولها لك بلا مواربة: لقد تأخرت كثيراً.
أظنها — كما نقول في عاميتنا — “شالتك نومة”… وفي مثل هذه الحروب، من تفوته لحظة الوعي، يفوته القطار كله.
كنتَ هناك… في الصفوف الأمامية لا للحقيقة، بل للتحريض.
كنتَ تكتب لا لتبصّر الناس، بل لتعبّئهم، لا لتوقظ ضمائرهم، بل لتخدّرها بأناشيد النصر السهل، والحرب النظيفة، والمعركة التي لا ثمن لها.
واليوم، بعد أن استيقظت يا عادل الباز وما زال يطاردك الكابوس، “شخبطت” تطرح سؤالاً يبدو بريئاً: “هل سنترك الجيش يحارب وحده؟”
لكن السؤال الحقيقي الذي تهرب منه هو: من الذي دفع الشعب أصلاً إلى هذه الحرب؟
ومن الذي أقنعه بأنها نزهة وطنية لا محرقة بشرية؟
من الذي صنع الوهم؟
قبل أن تسأل الناس لماذا انصرفوا، اسأل نفسك: بماذا كنتَ تغذّي وعيهم؟
ألم تكن أنت ومن معك من “إعلام البلابسة” من صوّر الحرب كأنها ملحمة بطولية بلا كلفة؟
وباع للناس نصراً زائفاً مبكراً؟
وحرّض الشباب على الالتحاق بجحيم لا يعرفون نهايته؟
كنتم تقولون: انتصار قريب، ومعركة محسومة.
كنتم تكذبون على البسطاء: ان العدو منهار وقائده قد مات وشبع موتا.
فماذا حدث؟
ها هو الشعب اليوم يفعل الشيء الطبيعي الوحيد: ينسحب من الوهم عندما يصطدم بالحقيقة.
فمن خدع من؟
تقول إن الشعب انصرف، لكن الحقيقة أن الشعب لم ينصرف، بل استُنزف.
الذي فقد بيته، والذي نزح، والذي جاع، والذي فقد أبناءه… هذا لا “ينصرف”، هذا يُدفَع دفعاً إلى الهامش لأن طاقته انتهت.
أنتم من وعده بأن الحرب قصيرة، فلما طالت، لم يجد إلا الخيبة.
أنتم من دغدغتم مشاعره بالشعارات، فلما واجه الواقع، لم يجد إلا الصمت.
وأين كنتم حين كان يجب أن تتكلموا؟
تتحدث الآن عن غياب الإعلام، لكن أين كان صوتك حين كان يجب أن يكون الإعلام صادقاً لا تعبويّاً؟
ناقداً لا مهللاً؟
مسؤولاً لا محرضاً؟
أين كنتم عندما كان الكذب يُصاغ على هيئة وطنية؟
عندما كان كل صوت مختلف يُخوَّن؟
عندما كانت الحرب تُقدَّم كخيار وحيد لا نقاش فيه؟
السؤال الذي لا مفر منه
الآن… وبعد أن استيقظت متأخراً، أجب — إن استطعت — عن هذه الأسئلة:
ماذا تقول للأمهات اللواتي فقدن أبناءهن بسبب خطابك؟
ماذا تقول للشباب الذين صدقوا حماسك، فدخلوا الحرب ولم يعودوا؟
ماذا تقول لمن أقنعتهم أن النصر سهل، فاكتشفوا أنه مستنقع بلا نهاية؟
هل ستقول لهم: كنا مخطئين؟
أم ستواصل الهروب إلى الأمام بشعارات جديدة؟
الحقيقة التي لا تريدون قولها، هذه ليست فقط “حرب جيش” أو “حرب شعب”، هذه — قبل ذلك — حرب خطاب.
خطابٌ حرّض، ثم انسحب.
خطابٌ أشعل النار، ثم وقف يتساءل لماذا احترق الناس.
أخيراً… صباح الخير مرة أخرى.
نعم، استيقظت يا عادل الباز، لكن المشكلة ليست في أنك نمت… بل في أنك، حين كنت يقظاً، كنتَ تحلم على حساب شعبٍ كامل.
والآن، بعد أن فات القطار، لن يكون السؤال: هل يعود الشعب إلى الحرب؟
بل السؤال الحقيقي: هل تملكون الشجاعة لتقولوا الحقيقة… ولو متأخرين؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.