“كتائب العمل الخاص” في السودان .. الواجهة العسكرية الجديدة لتيار الإسلام السياسي
تقرير ـ عين الحقيقة
في ظل غبار المعارك المحتدمة في السودان، برز إلى العلن كيان عسكري يثير الكثير من الجدل والريبة يُدعى «كتائب العمل الخاص».. وبينما تُقدم هذه المجموعات نفسها كقوات مساندة للجيش، تكشف الوقائع الميدانية والخلفيات التنظيمية عن كيان مُخطط له بعناية، يهدف إلى إعادة تدوير كوادر الحركة الإسلامية السودانية «النظام البائد» داخل المشهد العسكري تحت لافتات جديدة.
ويؤكد الصحفي محمد عبد الباقي أن هذه الكتائب «جهة عسكرية لا يُعرف لها أصل» في التراتبية الرسمية للقوات المسلحة.
ويرى مراقبون أن الحركة الإسلامية المصنفة في سياقات ثورية ودولية عديدة كجهة داعمة للإرهاب هي العقل المدبر وراء تكوين هذه الوحدات، مشيرين إلى أنها تمثل استنساخاً مشوهاً لتجربة «الدفاع الشعبي» و«كتائب الظل» التي اشتهر بها نظام البشير، ولكن هذه المرة بزي عسكري رسمي وتسليح أكثر فتكاً، بما يضمن اختراق المؤسسة العسكرية من الداخل وفرض أجندة حركية على مسار الحرب.
ولا تكتمل صورة «العمل الخاص» دون النظر إلى الأسماء التي تدير المشهد في الولايات الخاضعة لسيطرة الجيش، حيث يبرز كادر حركي يتولى القيادة والسيطرة. ومن أبرز هذه الأسماء فتح العليم الشويلي وحسبو السناري في ولاية سنار، وهما شخصيتان ترتبطان بعلاقات وثيقة مع الأجهزة الأمنية للنظام السابق، ويُتهمان بالإشراف على عمليات التجنيد العقائدي وتوزيع السلاح الثقيل على الكوادر التنظيمية.
أما في ولاية النيل الأبيض، فيبرز اسم شهاب برج، الذي يُقال إنه يقود عمليات ذات طابع تصفوي ضد المعارضين السياسيين تحت غطاء ملاحقة «الخلايا النائمة»، ما يحوّل الصراع من مواجهة عسكرية إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية.
وتثير نوعية الأسلحة التي تمتلكها هذه الكتائب تساؤلات جوهرية؛ فهي ليست مجرد مجموعات مقاومة شعبية تحمل أسلحة خفيفة، بل تمتلك أسلحة ثقيلة وطائرات مسيّرة وأجهزة اتصالات متطورة.
ويشير ذلك وفق مراقبين إلى أن هذا التسليح النوعي لا يمكن أن يمر إلا عبر قنوات داخل مؤسسات الدولة العميقة، ما يجعلها قوة موازية قادرة على تجاوز التعليمات العسكرية الرسمية إذا تعارضت مع توجيهات «التنظيم».
وتُصنَّف «كتائب العمل الخاص» وفق تقارير حقوقية ومتابعات ميدانية كواحدة من الجهات الأكثر تورطاً في انتهاكات حقوق الإنسان في مناطق سيطرة الجيش، حيث تتلخص ممارساتها في الاستهداف الممنهج، وتنفيذ عمليات مداهمة للمنازل، واعتقال الناشطين السلميين وأعضاء غرف الطوارئ.
وبحسب مراقبين، تعمل هذه الكتائب في منطقة رمادية قانونياً؛ فهي ليست جزءاً رسمياً من الجيش ليُحاكم أفرادها أمام القضاء العسكري، ولا تتبع للشرطة لتخضع للقانون المدني، ما يمنحها مساحة واسعة للتحرك دون رقابة أو مساءلة.
ويقول المتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية، عبد الكريم عمر الشيخ، إن تعرية هذا الكيان تكشف عن استراتيجية الحركة الإسلامية في توظيف الحرب كوسيلة للبقاء السياسي. فمن خلال «العمل الخاص»، تسعى إلى فرض سيطرة ميدانية وترسيخ سلطة الأمر الواقع في الولايات، إلى جانب تقديم نفسها كحامٍ لمؤسسات الدولة في مواجهة خصومها.
ويضيف أن هذه الكتائب تسهم في تدمير النسيج الاجتماعي عبر تأليب المجتمعات المحلية وتسليحها على أسس أيديولوجية وجهوية، ما يهدد بتوسيع دائرة الصراع وتعميق الانقسامات.
وفي المقابل، برزت أصوات ناقدة من داخل التيار الإسلامي نفسه، حيث يرى بعض الإسلاميين المعارضين لنهج «كتائب الظل» أن إعادة إنتاج هذه التجارب تمثل «خطأً استراتيجياً فادحاً».
ويقول أحد القيادات الإسلامية السابقة فضل حجب اسمه لـ»عين الحقيقة» إن «تسييس العمل العسكري وتكوين مليشيات موازية هو ما قاد البلاد سابقاً إلى الانهيار، وإعادة تدويره اليوم لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة وإطالة أمد الحرب».
ويضيف أن «أي مشروع سياسي يستند إلى السلاح خارج مؤسسات الدولة هو مشروع فاقد للشرعية، حتى وإن رُفعت شعارات دينية أو وطنية»، محذراً من أن هذه التشكيلات قد تنقلب لاحقاً على الدولة نفسها كما حدث في تجارب سابقة.
ويرى عبد الكريم الشيخ أن «كتائب العمل الخاص» ليست مجرد تشكيلات عسكرية طارئة، بل ذراع مسلح لتنظيم سياسي يسعى إلى العودة عبر فوهة البندقية، محذراً من أن استمرار وجودها بأسلحتها الثقيلة وأجندتها الإقصائية يمثل «قنبلة موقوتة» تهدد وحدة السودان وما تبقى من مؤسساته الوطنية.
في الواقع، يضع ظهور «كتائب العمل الخاص» أسئلة حرجة أمام مستقبل الدولة السودانية، ليس فقط بسبب طبيعتها العسكرية، بل أيضاً بسبب ما تكشفه من انقسام حتى داخل التيار الإسلامي نفسه حول جدوى عسكرة السياسة. وبين مخاوف إعادة إنتاج الماضي وتحذيرات من انفلات السلاح خارج السيطرة، يبقى السودان أمام مفترق طرق حاسم، تتوقف مآلاته على قدرة القوى السياسية والعسكرية على كبح جماح الفاعلين غير النظاميين واستعادة مسار الدولة المدنية
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.