الإسلاميون في السودان: إرث من القمع والفساد

تقرير: عين الحقيقة

منذ انقلاب الثلاثين من يونيو عام 1989، الذي قادته الجبهة القومية الإسلامية تحت غطاء عسكري، دخل السودان نفقًا مظلمًا من الحكم الشمولي، الذي استند إلى أيديولوجية “التمكين”. لم تكن هذه الفترة مجرد حقبة سياسية عابرة، بل كانت مشروعًا ممنهجًا لتفكيك الدولة السودانية وتحويل مواردها لخدمة نخبة ضيقة، مع إقصاء كل معارض بالعنف، وفرض سيطرة تجاوزت حدود الدولة الوطنية.

اعتمدت الحركة الإسلامية منذ أيامها الأولى سياسة “التمكين”، وهي عملية إحلال وتجديد واسعة النطاق استهدفت الخدمة المدنية والقوات النظامية، حيث تم تسريح أكثر من 300 ألف كادر وطني تحت مسمى “الصالح العام”

سياسة “التمكين”: نهب مؤسسات الدولة وبناء اقتصاد موازٍ
اعتمدت الحركة الإسلامية منذ أيامها الأولى سياسة “التمكين”، وهي عملية إحلال وتجديد واسعة النطاق استهدفت الخدمة المدنية والقوات النظامية، حيث تم تسريح أكثر من 300 ألف كادر وطني تحت مسمى “الصالح العام”، واستبدالهم بعناصر موالية للتنظيم. لم يكن هذا النهج إداريًا فحسب، بل كان اقتصاديًا أيضًا، إذ تمت خصخصة الشركات العامة وبيعها بأسعار زهيدة لقيادات إسلامية، وبناء إمبراطوريات مالية موازية عبر شركات وهمية وواجهات مصرفية.
تشير التقارير إلى أن حجم الفساد المالي والاقتصادي خلال هذه الحقبة بلغ مليارات الدولارات، حيث تمت السيطرة على أصول النقل النهري والجوي والخطوط الجوية السودانية، إضافة إلى مشاريع استراتيجية مثل مشروع الجزيرة. كما تم تتبع تحويلات مالية ضخمة لصالح قيادات الحزب الحاكم، مما أدى إلى إفقار الشعب السوداني بشكل منهجي.
جرائم الحرب والإبادة الجماعية: جراح السودان النازفة
سجلت الحركة الإسلامية تاريخًا دمويًا في التعامل مع التنوع السوداني والمطالب المشروعة للأقاليم. ففي عام 1992، أُعلن “الجهاد” ضد جنوب السودان، مما أدى إلى مقتل مئات الآلاف وتدمير مجتمعات بأكملها. ومع مطلع عام 2003، اندلع النزاع في دارفور، حيث ارتكبت قوات الحكومة وميليشياتها جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية.
أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق قيادات بارزة في النظام، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. كما شملت الانتهاكات مناطق أخرى، مثل جنوب كردفان والنيل الأزرق، حيث استخدمت الحكومة القصف الجوي والحصار كأدوات للسيطرة. في الداخل، لم تسلم المدن من القمع، إذ تم إعدام 28 ضابطًا في رمضان عام 1990 دون محاكمة، في واحدة من أبشع الجرائم السياسية. كما شهدت الجامعات والمدن قمعًا واسعًا للاحتجاجات، واعتقالات تعسفية، وعمليات تعذيب ممنهجة.

قوات أمنية وعسكرية استخدمت القوة المفرطة ضد المعتصمين، بما في ذلك الرصاص الحي، والاعتداءات الجسدية، والانتهاكات الجنسية..

مجزرة فض الاعتصام: الفصل الأخير في إرث القمع
رغم سقوط رأس النظام في أبريل 2019، فإن بنية الحركة الإسلامية الأمنية ظلت فاعلة، حيث لعبت دورًا محوريًا في مجزرة فض اعتصام القيادة العامة في يونيو 2019، التي راح ضحيتها أكثر من 100 شهيد، وفقًا لتقارير محلية ودولية. تؤكد شهادات الناجين وتقارير المنظمات الحقوقية أن قوات أمنية وعسكرية استخدمت القوة المفرطة ضد المعتصمين، بما في ذلك الرصاص الحي، والاعتداءات الجسدية، والانتهاكات الجنسية. وقد شكّلت هذه المجزرة امتدادًا لنهج القمع الذي اتبعته الحركة الإسلامية طوال ثلاثة عقود.
ورغم تفكيك بعض مفاصل النظام بعد الثورة، فإن نفوذ الحركة لم ينتهِ، إذ عادت عبر شبكاتها الاقتصادية والأمنية لتلعب أدوارًا في زعزعة الاستقرار وعرقلة الانتقال الديمقراطي، وصولًا إلى الحرب الحالية التي دمّرت ما تبقى من مؤسسات الدولة.
فاتورة التغيير والعدالة الغائبة
إن حصاد ثلاثين عامًا من حكم الحركة الإسلامية في السودان لم يكن سوى دمار شامل للبنية التحتية، وتفتيت للنسيج الاجتماعي، وإغراق البلاد في صراعات داخلية. وقد دفعت الأجيال التي نشأت في ظل هذا النظام ثمنًا باهظًا من الدماء والحرمان.
اليوم، يقف السودان أمام مفترق طرق، حيث تتصاعد المطالب بتحقيق العدالة الانتقالية، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، واستعادة الدولة من قبضة التنظيمات الأيديولوجية. إن بناء سودان جديد يتطلب إرادة سياسية حقيقية، ومشاركة شعبية واسعة، وضمان عدم تكرار هذه التجربة المأساوية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.