لم يعد المشهد في السودان مجرد حرب أهلية أو نزاع على السلطة، بل تحوّل، بقرار من قيادة الجيش المختطفة، إلى «انتحار استراتيجي» تقوده كتائب الظل الإخوانية وفلول «البراء بن مالك». هؤلاء الذين استبدلوا البزة العسكرية السودانية بعباءة الأيديولوجيا الإخوانية، يجرّون البلاد اليوم نحو “المحرقة” الكبرى، محوّلين الخرطوم وبورتسودان إلى ساحات خلفية لتنفيذ أجندة الحرس الثوري الإيراني.
بينما يقف العالم أجمع، بأساليبه الدبلوماسية والعسكرية، لمواجهة «رأس الأفعى» في طهران وتقليم أظافر أذرعها في المنطقة، تتجه جماعة الإخوان في السودان في الاتجاه المعاكس تماماً
التقارير المسربة عن اجتماعات قيادات الحرس الثوري الإيراني في قلب مدينة بورتسودان، خلال الأسبوع الماضي، لا يمكن وصفها بأنها مجرد تعاون عسكري، بل تمثل طعنة في خاصرة الأمن القومي العربي والأفريقي. كما أن استجداء الجماعة الإرهابية لمسيّرات «شاهد» الانتحارية يُعد اعترافاً صريحاً بانهيار العقيدة القتالية للجيش، وتحوله إلى مجرد «وكيل» ينفذ أجندة طهران في البحر الأحمر، وهو المسار الذي لم يورث اليمن أو سوريا أو لبنان سوى الخراب والدمار.
في المقابل، وبينما يقف العالم أجمع، بأساليبه الدبلوماسية والعسكرية، لمواجهة «رأس الأفعى» في طهران وتقليم أظافر أذرعها في المنطقة، تتجه جماعة الإخوان في السودان في الاتجاه المعاكس تماماً. فهي تربط مصير الشعب السوداني بنظام منبوذ دولياً، يخضع لأقسى العقوبات، ويواجه تحالفاً عالمياً يسعى لتجفيف منابع إرهابه. ويعد الارتهان للمسيّرات الإيرانية والخبرات التخريبية للحرس الثوري دعوة صريحة لتدويل الصراع في السودان، وجعل أراضيه ساحة لتصفية حسابات القوى الكبرى ضد طهران.
كما أن تصدر ميليشيا «البراء بن مالك» للمشهد العسكري لا يمثل سوى إعلان فعلي عن نهاية «الجيش الوطني» كما عرفه السودانيون. فهذه الكتائب، التي تتلقى أوامرها من مكاتب التنظيم الدولي للإخوان، تضحي بدماء الجنود السودانيين لخدمة بقاء الجماعة، ولا تتردد في بيع سيادة البلاد لإيران مقابل بضع مسيّرات انتحارية لن تغيّر من موازين الأرض بقدر ما ستجلب من ويلات التدخل الخارجي.
ويرى مراقبون للشأن السوداني أن ما يحدث يتجاوز حدود التحالفات التكتيكية إلى ما يمكن وصفه بـ”الارتهان الكامل» لمشروع خارجي، يهدد بإعادة تشكيل الدولة السودانية وفق أجندات لا تمت لمصالح شعبها بصلة. كما يؤكد هؤلاء أن إدخال عناصر الحرس الثوري وخبراته إلى الداخل السوداني يمثل تحوّلاً خطيراً في طبيعة الصراع، من نزاع داخلي إلى ساحة مفتوحة للتجاذبات الإقليمية والدولية. كما يحذر المراقبون من أن هذا المسار قد يؤدي إلى عزلة غير مسبوقة للسودان، خاصة في ظل حساسية البحر الأحمر وأهميته الاستراتيجية، الأمر الذي يجعل أي تموضع إيراني فيه بمثابة خط أحمر لدى قوى دولية وإقليمية قد لا تتردد في التدخل بشكل مباشر أو غير مباشر.
وفي حديث لـ«عين الحقيقة»، وصف محلل سياسي، فضل حجب اسمه، ما يجري بأنه «انتحار سياسي وعسكري مكتمل الأركان»، مشيراً إلى أن قيادة الجيش، بتبنيها هذا النهج، لا تدرك أنها تضع السودان في مواجهة مفتوحة مع العالم. وأضاف: الاعتماد على المسيّرات الإيرانية ليس تفوقاً عسكرياً، بل إعلان إفلاس استراتيجي.
محلل سياسي: حين تتقدّم «كتائب البراء» والميليشيات المؤدلجة على حساب المؤسسة العسكرية، فهذه إشارة واضحة إلى انهيار الدولة
هذه أدوات قد تمنح مكاسب تكتيكية محدودة، لكنها تفتح الباب واسعاً أمام استهداف السودان كجزء من شبكة النفوذ الإيراني في المنطقة. وتابع: “الخطير في الأمر لا يقتصر على التعاون العسكري، بل يشمل البعد الأيديولوجي الذي يحكم هذا التقارب. نحن أمام محاولة لإعادة إنتاج نموذج إقليمي قائم على الميليشيات والولاءات العابرة للحدود، وهو نموذج أثبت فشله وكلفته الباهظة في أكثر من دولة”.
وأشار المحلل إلى أن «كتائب البراء» تمثل أحد أبرز تجليات هذا الانحراف، قائلاً: “حين تتقدّم الميليشيات المؤدلجة على حساب المؤسسة العسكرية، فهذه إشارة واضحة إلى انهيار الدولة، لا إلى حمايتها. واستدرك قائلاً: إذا استمر هذا المسار، فإن السودان لن يخسر فقط معركته الداخلية، بل سيخسر موقعه الإقليمي، وسيُعاد تصنيفه كدولة أزمة دائمة، تُدار من خارج حدودها.
ويمثل التحالف بين «إخوان السودان» ونظام الملالي نموذجاً لتحالف «اليائسين»، حيث يقود هذا المسار الجيش والشعب نحو هلاك محتوم، ويضع السودان في فوهة مدفع الحرب العالمية ضد الإرهاب الإيراني. ويبقى السؤال: هل يدرك العقلاء داخل المؤسسة العسكرية أن ثمن المسيّرات الإيرانية سيكون تفتيت ما تبقى من السودان، وتحويله إلى بؤرة إرهاب دولية تخدم أحلام الخلافة المزعومة وتمدد الولي الفقيه.
اليوم، يقف السودان عند مفترق طرق حاسم، حيث لم يعد هامش الخطأ متاحاً كما كان في السابق. فالمسار الذي تُدفع إليه البلاد لا يهدد فقط بتعقيد الأزمة، بل ينذر بإعادة تشكيلها على نحو يفقد الدولة ما تبقى من تماسكها وسيادتها.. وبين رهانات قصيرة الأجل وتحالفات عالية الكلفة، تتزايد المخاوف من أن يدفع الشعب السوداني الثمن الأكبر لصراعات لا تعبّر عن تطلعاته.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.