الإخوان.. الحرب على المواطن

في الحروب عادةً تُرفع الشعارات الكبيرة وتُطلق الوعود الوطنية الرنانة، لكن الحقيقة التي يعيشها المواطن السوداني اليوم تختلف كثيراً عن الخطابات التي تملأ المنابر ووسائل الإعلام. فبينما تتواصل المعارك وتتسع دائرة الدمار، يجد ملايين السودانيين أنفسهم في مواجهة حرب أخرى أكثر قسوة؛ حرب تستهدف لقمة العيش والأمن والاستقرار والكرامة الإنسانية.
لقد تحولت معاناة المواطن إلى تفصيل هامشي في حسابات القوى التي تدفع باتجاه استمرار الصراع. وفي مقدمة هذه القوى يقف تيار الإخوان المسلمين الذي ظل يربط مستقبله السياسي والعسكري باستمرار الحرب، متجاهلاً الكلفة الإنسانية والاقتصادية الباهظة التي يدفعها السودانيون يومياً. فكلما ارتفعت الأصوات المطالبة بالتهدئة أو الحلول السياسية، خرجت أصوات أخرى ترفض أي مسار يمكن أن يوقف نزيف الدم ويعيد البلاد إلى طريق الاستقرار.
النتيجة واضحة للعيان. مدن مدمرة، ملايين النازحين واللاجئين، اقتصاد يترنح تحت وطأة الانهيار، وأسواق تشهد ارتفاعاً جنونياً في الأسعار. المواطن الذي كان يكافح لتأمين احتياجات أسرته قبل الحرب أصبح اليوم عاجزاً عن توفير أبسط مقومات الحياة. تكلفة الغذاء تتضاعف بصورة متسارعة، والخدمات الأساسية تتراجع، بينما تتآكل قيمة العملة الوطنية وتتسع دائرة الفقر بشكل غير مسبوق.
ولم تعد الأزمة تقتصر على الجوانب الاقتصادية فقط. فالحرب ألحقت أضراراً عميقة بالنسيج الاجتماعي السوداني، وحرمت ملايين الأطفال من التعليم، وأثقلت كاهل القطاع الصحي المنهك أصلاً. وفي ظل هذا الواقع، يصبح السؤال مشروعاً: ما الذي حققه استمرار الحرب للمواطن؟ وأي مكاسب يمكن أن تبرر هذا الكم الهائل من الخسائر الإنسانية؟
إن الإصرار على مواصلة القتال ورفض المبادرات الهادفة إلى وقف النزاع لا يعني سوى مزيد من المعاناة للمدنيين. فالحروب لا تُقاس بالشعارات، وإنما بنتائجها على الأرض، والنتيجة التي يراها السودانيون اليوم هي بلد يواجه واحدة من أسوأ أزماته الإنسانية والاقتصادية في تاريخه الحديث.

لقد آن الأوان لوضع مصلحة المواطن فوق الحسابات السياسية والتنظيمية الضيقة. فالسودان لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات التي تؤجج الصراع، بل إلى إرادة حقيقية توقف الحرب وتفتح الباب أمام التعافي وإعادة البناء. أما الاستمرار في الرهان على المعركة باعتبارها طريقاً لتحقيق المكاسب السياسية، فلن يقود إلا إلى مزيد من الخراب، وسيظل المواطن السوداني هو من يدفع الثمن الأكبر.

إن التاريخ لا يتذكر كثيراً من الشعارات التي أطلقت أثناء الحروب، لكنه يتذكر جيداً من وقف مع الناس في أوقات المحن ومن تجاهل معاناتهم. وبينما يزداد المشهد السوداني تعقيداً، يبقى السؤال معلقاً أمام الجميع: متى تتوقف الحرب على المواطن؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.