«يا تشتري طاقة يا تموت».. العائدون يصطدمون بخراب الخرطوم

تقرير ـ عين الحقيقة

يواجه آلاف السودانيين العائدين من دول اللجوء والنزوح حالة من خيبة الأمل والصدمة، بعد اصطدامهم بواقع خدمي متدهور في العاصمة الخرطوم، في ظل استمرار تداعيات الحرب وانقطاع الكهرباء والمياه وتراجع الخدمات الأساسية.

 

وعبّر عدد من العائدين إلى الخرطوم عن استيائهم من تردي الأوضاع الخدمية، وقالت إحدى المواطنات: «أي زول برة السودان بوصّيه ما يرجع نهائي.. يا تشتري طاقة يا تموت.. لا كهرباء، لا موية، لا خدمات»، في تعبير يعكس حجم الإحباط من الواقع المعيشي الذي وجده العائدون.

 

واقع خدمي قاسٍ

 

وبحسب شهادات عدد من العائدين خلال الشهر الماضي، فإن التوقعات بتحسن نسبي في الأوضاع اصطدمت بانقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة يومياً، وشح المياه الصالحة للشرب، إلى جانب الارتفاع الكبير في تكلفة الطاقة البديلة والوقود.

 

وقال مواطن عاد مؤخراً من مصر إلى الخرطوم: «تخيلنا نرجع نلقى البلد بدأت تتعافى، لكن لقينا الوضع أسوأ.. لا كهرباء، لا موية، لا أمن.. الواحد بقى محتار يبدأ من وين».

 

فجوة بين الوعود والواقع

 

وتعكس الانتقادات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي حجم الفجوة بين الوعود الرسمية والواقع الذي يواجهه العائدون، وسط تزايد المخاوف من أن تكون العودة إلى العاصمة محفوفة بأعباء معيشية تفوق قدرة الأسر على التحمل.

 

وتقول إحدى التدوينات المتداولة: «حرامية ومطبلاتية ح يرجعوكم ساي.. ربّوا أولادكم بخدمات تستحقوها»، في رسالة تعكس حالة الغضب والقلق لدى بعض الأسر التي تفكر في العودة إلى البلاد.

 

ويرى مراقبون أن هذه التحذيرات تعكس أزمة ثقة متفاقمة، خصوصاً مع استمرار العمليات العسكرية، وخروج أعداد كبيرة من الكوادر الطبية والتعليمية والفنية، الأمر الذي زاد من صعوبة استعادة الخدمات الأساسية وتشغيل المؤسسات الحيوية.

 

إعادة الإعمار أمام اختبار صعب

 

وكانت الجهات الحكومية قد أكدت، في تصريحات سابقة، التزامها بإعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية بصورة تدريجية في المناطق التي تشهد استقراراً نسبياً، مشيرة إلى أن إصلاح شبكات الكهرباء والمياه المتضررة وتأمين وصول المساعدات الإنسانية من بين الأولويات المطروحة.

 

لكن الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني لا تزال واسعة، ما يدفع العديد من الأسر إلى تأجيل قرار العودة النهائية، أو الاكتفاء بزيارات قصيرة لتفقد المنازل والممتلكات.

 

وتأتي هذه التحديات في وقت تشير فيه تقديرات أممية إلى أن أكثر من 10 ملايين سوداني نزحوا داخلياً وخارجياً منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، بينما تشهد بعض المناطق في الوسط والشرق عودة أعداد من النازحين واللاجئين، بدافع تحسن الوضع الأمني النسبي مقارنة بمناطق القتال.

 

وحذر خبراء من أن عودة أعداد كبيرة من السكان من دون توفير الخدمات الأساسية قد تزيد الضغط على الموارد المحدودة، وتفاقم الأزمة الإنسانية، وربما تؤدي إلى موجة جديدة من «النزوح العكسي» إذا عجزت المدن والمناطق المستقبلة عن توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة.

 

ويرى مراقبون أن ملف الخدمات سيكون أحد أصعب الاختبارات أمام السلطات خلال المرحلة المقبلة، باعتباره عاملاً حاسماً في تثبيت العائدين، وتهيئة الظروف لإعادة الإعمار واستعادة الحياة الطبيعية في المناطق المتضررة من الحرب.

 

العودة بين الأمل والواقع

 

وبينما تتحدث السلطات عن عودة الحياة وإعادة الإعمار، تكشف شهادات العائدين واقعاً أكثر قسوة؛ فالمواطن الذي عاد بحثاً عن وطنه لا يجد أمامه سوى مدينة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة. وفي الخرطوم، يبدو أن العودة لم تعد تعني بداية جديدة، بل مواجهة يومية مع العطش والظلام وغلاء الطاقة وانهيار الخدمات.

 

فإذا كانت الدولة عاجزة عن توفير الكهرباء والمياه والأمن، فبأي منطق يُطلب من ملايين النازحين واللاجئين العودة؟ وهل يمكن الحديث عن «إعمار» فيما المواطن مضطر إلى شراء الطاقة والمياه من ماله الخاص كي يبقى على قيد الحياة؟

 

الاختبار الحقيقي للسلطات لن يكون في البيانات والخطب، بل في قدرة الخرطوم على استقبال أهلها بخدمات تحفظ كرامتهم. وما لم تتغير المعادلة، فقد تتحول دعوات العودة من مشروع لإنهاء النزوح إلى فخ يدفع بالعائدين إلى نزوح جديد.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.