الخرطوم وبورتسودان.. مدينتان تحت وطأة الحرب

نورا عثمان

لم تعد آثار الحرب في السودان تقتصر على أصوات المدافع أو مشاهد الدمار والنزوح، بل امتدت لتضرب بقوة تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين في الخرطوم وبورتسودان، حيث باتت الأوضاع الاقتصادية تشكل عبئاً ثقيلاً على ملايين الأسر التي تكافح من أجل تأمين الحد الأدنى من احتياجاتها الأساسية.
في الخرطوم، التي كانت يوماً القلب الاقتصادي والسياسي للبلاد، ما تزال آثار الحرب ماثلة في كل مكان. الأسواق تعمل بوتيرة متذبذبة، والخدمات الأساسية تعاني من تراجع مستمر، فيما يواجه المواطنون ارتفاعاً متواصلاً في أسعار السلع الغذائية والوقود ومواد البناء. كثير من الأسر فقدت مصادر دخلها نتيجة توقف الأنشطة الاقتصادية وإغلاق المؤسسات والشركات، لتجد نفسها أمام واقع معيشي قاسٍ لم تشهده البلاد منذ عقود.
أما بورتسودان، التي تحولت خلال فترة الحرب إلى مركز إداري واقتصادي بديل، فقد واجهت بدورها ضغوطاً هائلة نتيجة التدفق السكاني الكبير وانتقال آلاف الموظفين والتجار والنازحين إليها. هذا الواقع أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار الإيجارات والخدمات والسلع الاستهلاكية، حتى أصبحت تكلفة المعيشة في المدينة تفوق قدرة شريحة واسعة من المواطنين. ومع استمرار الضغوط على البنية التحتية، تزايدت شكاوى السكان من انقطاع الكهرباء ونقص المياه وارتفاع تكاليف النقل.
وتنعكس الأزمة الاقتصادية بصورة واضحة على الأسواق التي تشهد حالة من الركود رغم الارتفاع المستمر للأسعار. فالمواطن الذي كان بالكاد يستطيع تلبية احتياجات أسرته قبل الحرب، أصبح اليوم عاجزاً عن شراء كثير من السلع الأساسية. وتراجعت القوة الشرائية بشكل حاد نتيجة انهيار قيمة العملة المحلية وارتفاع معدلات التضخم، ما دفع العديد من الأسر إلى تقليص استهلاكها من الغذاء والاستغناء عن احتياجات كانت تعد ضرورية في السابق.
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب المعيشي فقط، بل تمتد إلى قطاعات التعليم والصحة والخدمات العامة. فالعديد من الأسر باتت عاجزة عن تحمل تكاليف العلاج أو توفير احتياجات أبنائها الدراسية، في وقت تتزايد فيه معدلات الفقر وتتسع دائرة الاحتياج الإنساني. كما أن استمرار الحرب يبدد فرص التعافي الاقتصادي ويؤخر أي جهود لإعادة الإعمار أو استعادة النشاط الإنتاجي والتجاري.
إن ما تشهده الخرطوم وبورتسودان اليوم يكشف حجم الثمن الذي يدفعه المواطن السوداني جراء استمرار الحرب. فكل يوم يمر دون حلول حقيقية يعني مزيداً من التدهور الاقتصادي، ومزيداً من المعاناة للأسر التي تجد نفسها في مواجهة أسعار متصاعدة ودخول متآكلة وخدمات متراجعة. وبينما تتواصل الأزمة، يبقى المواطن البسيط هو الخاسر الأكبر، ينتظر نهاية للحرب تعيد له شيئاً من الاستقرار والأمل في مستقبل أفضل.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.