السيادة

أطياف - صباح محمد الحسن

(في حالة السودان الآن، الحرب مستعرة، والموارد منهوبة، والدولة منهارة، فإذا كان التدخل الخارجي واقعاً، فلماذا لا يكون تدخلاً يوقف الحرب بدلاً من أن يغذيها!)

طيف أول:
هناك بعض الأوطان
لا يوقظها الضوء العابر،
بل تلك اللحظة التي تأتي
كفجرٍ صادقٍ
بعد ليلٍ طال انتظاره.

وأي خطوة مالية كبيرة تُعلن في هذا التوقيت هي استغلال للانهيار أو محاولة لفرض واقع اقتصادي جديد دون توافق أو شفافية.
ومنح رخصة مشغّل محول للمعاملات المصرفية لشركة العسجد هو واحدة من أخطر وأكبر التراخيص المالية، لأنها تتحكم في حركة الأموال والربط بين البنوك، مما يهدد أمن البيانات وتسلم مصيرنا المصرفي للخارج.
وهذا وحده كافٍ لإشعال الغضب، لأن السودانيين يرون أن الاقتصاد أصبح أداة في يد القوى العسكوية تمده للقوى الخارجية.
وهذا ما ضاعف الشكوك، لأنه أضاف بُعداً سياسياً وأمنياً حساساً فوق البعد الاقتصادي والتقني، مما يُعد تغوّلاً واضحاً على الجهاز المصرفي وتعدٍّ سافر على السيادة الوطنية.
وهذه الخطوة أكدت أن ثمة تأثيراً خارجياً واضحاً على مؤسسات الدولة السودانية، وأن القطاع المالي يُعدّ منطقة سيادة، وليس مجالاً عادياً، بل جزءاً من الأمن القومي.
وعندما تدخل شركة مغمورة في هذا المجال، يُنظر إليها كاختراق محتمل للسيادة المالية، والخوف من وصول بيانات السودانيين إلى جهات خارجية يصبح مشروعاً.
وهنا يقف السؤال، ليس عن شركة العسجد وكم عمرها الاقتصادي، بل السؤال الأهم: من يقف خلفها هل لها ارتباطات سياسية عميقة
و واجهة لجهات خارجية نافذة؟!
هل ثمة صفقة أكبر من صفقة الشراكة التي وقعتها في الداخل؟
فالغضب لم يكن بسبب التقنية نفسها،
بل بسبب الخوف من النفوذ الخارجي داخل شريان الاقتصاد السوداني،
لأن ذلك يجعل الشراكة تبدو وكأنها استحواذ على قلب النظام المالي السوداني في لحظة انهيار كامل، وهذا استغلال صريح.
وبما أن السيادة الوطنية واحدة من أكثر المفاهيم حضوراً في الخطاب السياسي والعسكري لحكومة الأمر الواقع، غير أن هذا المفهوم، الذي يُفترض أن يكون درعاً لحماية الدولة والمواطن، تحوّل الآن إلى شعارٍ فارغٍ يُرفع بينما تُنتهك السيادة نفسها كل يوم عبر التدخلات الإقليمية، ونهب الموارد، وعدم تحكم القوى العسكرية في القرار الوطني.
إذن، عندما يتحدث الناس عن ضرورة تدخل دولي لوقف الحرب، ويأتي الفلول ليحدثوك عن القيم الوطنية وعدم المساس بالسيادة،
يجب أن يبقوا معي قليلاً:
هل السيادة التي يخشى البعض انتهاكها موجودة الآن؟!
أم أنها سقطت منذ اللحظة التي تحولت فيها الدولة إلى ساحة صراع بين وكلاء الخارج؟
فالسودان اليوم يعيش حالة من الانكشاف غير المسبوق ،حدوده مفتوحة، موارده تُستغل وتُنهب يومياً، وقراره السياسي موزع بين عواصم مختلفة، وثمة اثنتا عشرة دولة خارجية تشارك في الحرب وتقدم دعماً مباشراً أو غير مباشر للأطراف المتحاربة.
هذا الواقع يجعل الحديث عن “الخوف من التدخل الخارجي” أمراً غير منطقي، لأن التدخل موجود بالفعل، بل يأتي في أسوأ صورة ممكنة، لأنه لا يوقف حرباً، ولا ينهي نزوحاً وتشريداً، ولا يوقف الموت، ولا يحافظ على موارد البلاد، بل العكس: يفتح أبواب النهب المقنّن وغير المقنّن على مصراعيه،بدعم عسكري يغذي الحرب،
ودعم لوجستي يطيل أمد الصراع،
وبصفقات اقتصادية مشبوهة،ونفوذ سياسي يفرض أجندات لا علاقة لها بمصلحة الشعب.
إذن أين هي السيادة التي يُخشى انتهاكها؟
فالقيادة العسكرية وكيانات النظام القديم (الكيزان) لعبت دوراً محورياً في هذا الانهيار،
فتحت الباب لتدخلات إقليمية واضحة لا يغضّ الطرف عنها إلا من في عينه رمد،
وعقدت صفقات اقتصادية تمسّ الموارد الوطنية،
وسمحت بتغلغل نفوذ خارجي في مؤسسات الدولة،
واستخدمت السيادة كشعار بينما تُفرّط فيها.
وبذلك، أصبح المواطن السوداني يشعر بأن ماله وسيادته وموارده تُباع في سوق السياسة الإقليمية، وأن القوى التي يفترض أن تحمي البلاد هي نفسها التي تُضعفها.
وحالة السودان الآن، حيث الحرب مستعرة، والموارد منهوبة، والدولة منهارة،
فإذا كان التدخل الخارجي واقعاً لا مفر منه، فلماذا لا يكون تدخلاً يوقف الحرب بدلاً من أن يغذيها؟
لذلك، فإن القوى المدنية السياسية يجب عليها أن تطالب بضغط دولي عاجل، ليس فقط لوقف إطلاق النار والمراقبة الدولية لحماية المدنيين،
بل لمنع سرقة موارد البلاد عبر هذه الخطوات التي تسلب الإرادة الاقتصادية للسودان بعد أن سُلبت سياسياً وعسكرياً،
ولفرض مسار سياسي يؤدي إلى حكم مدني.
وهنا يصبح التدخل الخارجي أداة لإنقاذ البلاد، أفضل من أن يكون أداة لنهبها.
أما السيادة التي تُستخدم لتبرير استمرار الحرب فهي سيادة زائفة لا تخدم الشعب ولا تحمي الوطن.
والسودان اليوم أمام مفترق طرق ،إما أن يستمر في حرب تُنهك الدولة وتنهب الموارد،
وإما أن يقبل بتدخل خارجي منضبط يوقف الحرب ويعيد بناء المؤسسات ويضع البلاد على طريق الحكم المدني.
فالسيادة ليست ملكاً للسلطة…
السيادة ملكٌ للشعب، والشعب اليوم يُقتل ويُشرّد وتُنهب أمواله وموارده.

طيف أخير:
#لاللحرب
بعض “لصوص الكلمة” يقومون بتحويل ما يرد في هذه الزاوية أحياناً إلى زاوية رأي، وأحياناً إلى خبر، وأحياناً إلى تحليل سياسي.
ورغم “الحرفنة” في إعادة الصياغة وهدم النص ومحاولة بنائه من جديد بعد أخذ المعلومة ،
إلا أن القارئ الحصيف هو أول من يلاحظ هذه السرقة الأنيقة.”عيب والله ” .

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.