ما الذي يخشاه البرهان من الكباشي؟

بقلم: مناهل أبوقصيص

لا تُدار السلطة في السودان اليوم بعقل الدولة، وإنما بمنطق موازين القوة ومراكز النفوذ. وهذه هي الأزمة الحقيقية التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه. فبدلًا من أن يكون السلام أولوية، أصبح كل من يقترب من طريقه عرضةً للعزل أو التشويه أو الإقصاء، وكأن استمرار الحرب هو الخيار الأكثر أمانًا لبعض مراكز القرار.

 

في تقديري، كان الفريق أول شمس الدين الكباشي أحد أبرز الوجوه التي تحركت، بتكليف من الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش، في مسارات المنامة والقاهرة، بحثًا عن مخرج سياسي للحرب. لم يكن يتحرك خارج المؤسسة العسكرية، بل كان ينفذ ما اقتضته تلك المرحلة من اتصالات ورسائل. لكن المشهد انقلب عندما اصطدمت تلك المسارات برغبات الحركة الإسلامية «الإخوان»، التي لا ترى في السلام سوى تهديد مباشر لمشروعها السياسي.

 

ومنذ تلك اللحظة، بدا أن البرهان اختار الانحناء أمام ضغوط حلفائه، بدلًا من التمسك بالمسار الذي أرسل إليه الكباشي. والأخطر من ذلك أنه ترك الرجل في مواجهة حملة سياسية وإعلامية تستهدفه، وكأن المطلوب تحميله مسؤولية كل حديث عن التسوية، بينما ينجو الآخرون من المساءلة.

 

لقاء الكباشي بالمبعوث الأمريكي مسعد بولس في مدينة العلمين لم يكن، في نظري، سوى محطة كشفت حجم الارتباك داخل معسكر بورتسودان. وما أعقب ذلك من مواقف، خاصة بعد اجتماع مجلس الأمن والدفاع، أوحى بأن البرهان لم يعد راغبًا في تحمل كلفة أي انفتاح على السلام إذا كان ذلك سيغضب الإسلاميين وكتائبهم، التي أصبحت صاحبة الصوت الأعلى داخل دوائر القرار.

 

لكن السياسة لا تُدار بالرغبات وحدها. فالبرهان، رغم كل ما يملكه من سلطة شكلية، لا يستطيع اليوم الدخول في مواجهة مباشرة مع الكباشي. ليس حبًا فيه، وإنما لأنه يدرك أن ميزان القوة أكثر تعقيدًا مما يبدو.

 

الكباشي ليس معزولًا، ولا يقف وحده في هذا المشهد. فهو يستند إلى شبكة من العلاقات العسكرية والسياسية يصعب تجاوزها، وفي مقدمتها القوات المشتركة، كما أن علاقته بمني أركو مناوي تمثل عنصر قوة لا يمكن الاستهانة به. ومناوي، بما يمتلكه من قوة عسكرية وتنظيمية، ليس شخصية يمكن تجاوزها بقرار إداري أو بحملة إعلامية.

 

إلى جانب ذلك، فإن أبناء جبال النوبة الذين يقاتلون في صفوف القوات النظامية وغيرها لم يعودوا مجرد جنود ينفذون الأوامر. لقد أصبحوا أكثر وعيًا بما يجري داخل المؤسسة العسكرية، وأكثر إدراكًا لمحاولات استهداف القيادات التي يرون أنها تمثلهم أو تحظى بثقتهم. وهذا الوعي يجعل أي محاولة لعزل الكباشي أو إضعافه محفوفةً بتداعيات لا يمكن التقليل من شأنها.

 

وأعتقد أن الكباشي يدرك تمامًا أن هناك من يعمل على تضييق الخناق عليه سياسيًا، كما يدرك طبيعة التحالفات التي تُنسج في الخفاء. لكنه يعرف أيضًا نقاط الضعف داخل المعسكر المقابل، ويعرف أن كثيرًا ممن يتصدرون المشهد اليوم يستمدون قوتهم من الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب، لا من رصيد سياسي أو وطني حقيقي.

 

أما المؤسف، فهو أن البرهان اختار أن يكون أسيرًا لهذه التحالفات، بدلًا من أن يكون قائدًا لكل السودانيين. فالقائد الحقيقي لا يسمح بأن تتحول المؤسسة العسكرية إلى ساحة لتصفية الحسابات، ولا يقبل بأن تُرسم قرارات الدولة وفق أجندات جماعات تبحث عن النفوذ أكثر مما تبحث عن الوطن.

 

لقد دفعت الحرب السودان إلى حافة الانهيار، وكان المنتظر أن تتقدم الأصوات الداعية إلى إيقافها، لكن ما يحدث هو العكس تمامًا. فكل من يقترب من خيار السلام يجد نفسه موضع شك، بينما يُكافأ دعاة استمرار المعركة بمزيد من النفوذ والاقتراب من مركز القرار.

 

لن يُبنى السودان بالمؤامرات الداخلية، ولا بإضعاف الشركاء داخل المؤسسة العسكرية، ولا بإرضاء جماعات تعتقد أن الحرب هي الطريق الوحيد للبقاء في السلطة. بل سيُبنى عندما يكون القرار الوطني مستقلًا، وعندما تكون مصلحة السودان فوق مصالح الأفراد والتيارات.

 

وأخشى أن استمرار هذا النهج لن يضعف الكباشي وحده، بل سيضعف الدولة نفسها. لأن الدولة التي تبدأ بإقصاء أبنائها الأقوياء بسبب حسابات سياسية ضيقة، تنتهي عادةً بفقدان قدرتها على إدارة أزماتها. وعندها لن يكون الخاسر شخصًا أو تيارًا بعينه، بل سيكون السودان كله.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.