اجتماع تركيا يعيد ترتيب الأوراق.. غياب علي عثمان يثير أسئلة حول مستقبل قيادة الإسلاميين في السودان
تقرير : عين الحقيقة
تتجه الأنظار إلى التحركات التي تقوم بها تيارات إسلامية سودانية لعقد اجتماع تنظيمي في تركيا، وسط مؤشرات على إعادة ترتيب البيت الداخلي للحركة الإسلامية في ظل الحرب المستمرة في السودان، والتحولات السياسية والإقليمية المتسارعة. وفي قلب هذه التطورات، يبرز غياب نائب الرئيس الأسبق علي عثمان محمد طه، أحد أبرز رموز الحركة الإسلامية خلال العقود الماضية، باعتباره تطوراً يفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة داخل التنظيم.
وكشفت مصادر صحفية مطلعة أن علي عثمان محمد طه لن يشارك في الاجتماع المرتقب، مشيرة إلى أن ظروفه الصحية حالت، بحسب هذه المصادر، دون حضوره أو انخراطه في النشاط السياسي خلال الأشهر الأخيرة. ووفقاً للمصادر نفسها، يقيم طه حالياً في ولاية كسلا شرقي السودان، فيما يُرجح أن ينعقد الاجتماع في تركيا بمشاركة شخصيات وواجهات محسوبة على التيارات الإسلامية، لمناقشة مستقبل التنظيم، وتقييم تداعيات الحرب، وإعادة ترتيب أولويات المرحلة المقبلة.
مرحلة إعادة التموضع
يأتي الاجتماع في وقت تواجه فيه الحركة الإسلامية تحديات غير مسبوقة منذ سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير عام 2019، إذ فقدت نفوذها المباشر داخل مؤسسات الحكم، قبل أن تعيد الحرب الدائرة منذ أبريل 2023 خلط الأوراق السياسية والعسكرية في البلاد. ويرى محللون في الشأن السوداني أن الحركات السياسية التي تتعرض لهزات كبيرة غالباً ما تلجأ إلى مراجعات داخلية لإعادة بناء هياكلها التنظيمية، سواء عبر تجديد القيادات أو إعادة صياغة الخطاب السياسي، خصوصاً عندما تواجه ضغوطاً داخلية وخارجية متزامنة. ويضيف هؤلاء أن الاجتماعات المغلقة ليست بالضرورة مؤشراً على وحدة الصف، بل قد تعكس أيضاً وجود تباينات داخلية حول كيفية التعامل مع المتغيرات الراهنة، والعلاقة مع الفاعلين السياسيين والعسكريين في السودان.
لماذا تركيا؟
ويرى باحثون في العلاقات الإقليمية أن اختيار تركيا لعقد مثل هذه الاجتماعات، إذا تم بالفعل، يعكس استمرار ارتباط عدد من الشخصيات الإسلامية السودانية بشبكات وعلاقات خارجية نشأت خلال العقود الماضية، كما أن انعقاد لقاءات خارج السودان قد يوفر مساحة أكبر للنقاش بعيداً عن التعقيدات الأمنية والسياسية داخل البلاد. في المقابل، يشير محللون إلى أن أي لقاء تنظيمي خارج السودان سيخضع لقراءات سياسية متعددة، خاصة في ظل حساسية المشهد السوداني، وما يثار بشأن محاولات مختلف القوى إعادة تنظيم صفوفها استعداداً لأي تسوية سياسية محتملة.
غياب علي عثمان… نهاية جيل أم انتقال هادئ؟
يشكل غياب علي عثمان محمد طه، في حال تأكد عدم مشاركته، محطة لافتة بالنظر إلى مكانته التاريخية داخل الحركة الإسلامية، حيث ظل لسنوات من أبرز مهندسي سياساتها، ولعب أدواراً محورية خلال فترة حكم الرئيس السابق عمر البشير. ويرى مراقبون أن ابتعاد القيادات التاريخية قد يفتح المجال أمام جيل جديد لإدارة الملفات التنظيمية، بينما يرى آخرون أن تأثير تلك القيادات قد يستمر عبر الأدوار الاستشارية أو من خلال شبكات النفوذ التي راكمتها على مدى سنوات. ويؤكد متخصصون في شؤون الحركات السياسية أن انتقال القيادة داخل التنظيمات الأيديولوجية لا يرتبط دائماً بالحضور الإعلامي، بل قد يتم تدريجياً عبر إعادة توزيع مراكز القرار بين شخصيات أكثر حضوراً في المرحلة الراهنة.
الحرب تعيد رسم الخريطة
يتزامن الحديث عن الاجتماع مع استمرار الحرب في السودان، وما صاحبها من تغيرات في موازين القوى، سواء داخل المؤسسة العسكرية أو بين القوى المدنية والحركات المسلحة. ويرى محللون أن مستقبل أي تيار سياسي في السودان لن يتحدد فقط بقدرته على إعادة تنظيم صفوفه، وإنما بمدى قدرته على التكيف مع المشهد الجديد، الذي يختلف بصورة كبيرة عن البيئة السياسية التي كانت سائدة قبل عام 2019. كما يلفتون إلى أن أي محاولة للعودة إلى المشهد السياسي ستواجه تحديات تتعلق بالاستقطاب الداخلي، والانقسام المجتمعي، إضافة إلى المتغيرات الإقليمية والدولية التي أصبحت تؤثر بصورة مباشرة في الملف السوداني.
إعادة بناء التنظيم أم البحث عن دور سياسي؟
وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع إعلان “التيار الإسلامي العريض” انتخاب علي أحمد كرتي رئيساً له لدورة جديدة، واختيار قصي محجوب أميناً عاماً، في خطوة يراها متابعون جزءاً من محاولات إعادة هيكلة التيارات الإسلامية وتنظيم صفوفها بعد سنوات من التراجع السياسي. ويرى خبراء في الحركات السياسية أن نجاح أي عملية إعادة تنظيم سيظل مرتبطاً بعوامل عدة، أبرزها قدرة القيادات على إدارة الخلافات الداخلية، وبلورة رؤية سياسية تتعامل مع المتغيرات التي فرضتها الحرب، فضلاً عن طبيعة البيئة السياسية التي ستنشأ بعد انتهاء النزاع.
أسئلة المرحلة المقبلة
وبين التحركات التنظيمية، وغياب بعض القيادات التاريخية، واستمرار الحرب، تبدو الحركة الإسلامية أمام مرحلة مفصلية قد تعيد تشكيل بنيتها الداخلية وأدوارها السياسية. ويبقى السؤال المطروح: هل يمثل غياب رموز تاريخية مثل علي عثمان محمد طه بداية انتقال القيادة إلى جيل جديد داخل التيار الإسلامي، أم أن الأمر لا يعدو كونه تراجعاً مؤقتاً في الحضور العلني، بينما تستمر مراكز التأثير في العمل بعيداً عن الأضواء؟ الإجابة عن هذا السؤال ستظل مرتبطة بما ستكشفه المرحلة المقبلة، وبمدى قدرة التيارات الإسلامية على التكيف مع واقع سياسي سوداني يعاد تشكيله بصورة متسارعة بفعل الحرب وتداعياتها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.